مكتبة المسجد الأقصى.. حيث تتحدث إلينا علوم السابقين بلسان طلق

في الجزء الغربي الجنوبي من المسجد الأقصى، بين المتحف الإسلامي الملاصق لباب المغاربة والمسجد القبلي، بحجارة بسيطة متواضعة أنشأ القائد صلاح الدين الأيوبي بناءً لتحصين وصيانة سور مدينة القدس بعد تحريرها من أيدي الصليبيين الذين كانوا يتربصون بسواحل فلسطين وينتظرون اللحظة المناسبة ليعاودوا الانقضاض على القدس لاستعادتها.. وجعل من هذا البناء مصلى للنساء، ظل يستعمل لهذا الغرض منذ العصر الأيوبي حتى ثمانينيات القرن العشرين، حيث حُوِل إلى مكتبة للمسجد الأقصى.

ما إن تجتاز مدخلها الرئيس القريب من مصطبة المتحف الإسلامي للمسجد الأقصى حتى يتراءى لمخيلتك طيف القائد الفذ البطل صلاح الدين الأيوبي وأطياف جنوده، وقد تسمع صدى صوته وصهيل فرسه وصليل سيفه.. تتسرب إلى أنفك بقوة رائحة مخطوطات الكتب القديمة.. تشعر بقدسية من نوع خاص تثير فيك نشوة عجيبة، وتجد نفسك كأنك انتقلت فجأة عبر الزمن، تتردد قبل أن تقرأ بعيونك وتلمس بيديك كتباً نسخها أصحابها أو طلابهم بأيديهم، تخشى أن تنتهك حرماتهم أو تعاملهم بما لا يليق بهيبتهم وعظيم حضورهم.

مخطوطات لمواضيع مشكَّلة.. جلَّدها وخاط أوراقها ورَّاقون فتحوا حوانيتهم في سوق القطانين يعملون ليل نهار لعلهم يجارون حجم العمل الضخم الذي ينتظرهم.. وكيف لا يكون كذلك والمسجد الأقصى كان آنذاك مركزاً علمياً ضخماً أو حتى جامعة تستقطب إليها الدارسين من شتى بقاع الأرض؟ ألا يذكِّرنا ذلك بمقولة حجة الإسلام الإمام "أبو حامد الغزالي" حين قدم إلى القدس خلال تنقلاته بينها وبين الخليل ودمشق في القرن الهجري الخامس ورأى بأم عينه حلقات العلم تتوزع على مصاطب المسجد الأقصى.. أحصاها فلما وجدها ثلاثمئة وخمسين حلقة فقط، خاب أمله وقال قولته المشهورة: لقد ذهب العلم!!

تضم مكتبة المسجد الأقصى الآن مخطوطات بالغة القِدم تعود لعصور إسلامية مختلفة، يتجاوز عمر بعضها ثمانية قرون، وأقدم مخطوطة في المكتبة تعود للخطيب البغدادي المتوفى عام 463 هـ، وتوجد أيضاً مخطوطة لكتاب" المستصفى" للإمام الغزالي المنسوخ عام ٥٠٦ هجرية، وكذلك مخطوطة لكتابه إحياء علوم الدين المنسوخة في القرن الهجري الثامن.

تأسست مكتبة المسجد الأقصى في عام 1922 تحت اسم" دار كتب المسجد الأقصى" وفيها تم تجميع المخطوطات المنتشرة في مرافق المسجد الأقصى التي تعود لعصور إسلامية مختلفة في القبة النحوية (الواقعة في صحن قبة الصخرة مقابل باب السلسلة، التي شُيِّدت في العهد الأيوبي لعام 1207ه على يد الأمير في عهد الملك شرف الدين أبو المنصور عيسى الأيوبي، لتكون مدرسة متخصصة في تعليم العلوم اللغوية وتتكون من ثلاثة غرف متصلة تعتلي قبتها الكبرى الغرفة الغربية ويقع مدخلها الرئيس في الواجهة الشمالية)، ثم انتقلت دار الكتب إلى المدرسة الأسعردية (الموجودة في الرواق الشمالي للمسجد الأقصى)، ثمّ انتقلت مرة أخرى إلى المتحف الإسلاميّ عام 1929، حيث جُمِّدت لمدة خمسين عاماً لم ترَ فيها النور بسبب التضييق ومنع الاستعمار الإنجليزي ثم الاحتلال الصهيوني من استعمالها وتطويرها.

في عام 1977، قررت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس إعادتها للحياة، حيث قامت بنقل مجموعات الكتب والمخطوطات من مخزنها في المتحف الإسلاميّ إلى الطبقة الأرضيّة من المدرسة الأشرفية الملاصقة لباب السلسلة.

ولم يكن الاحتلال ليترك المسجد الأقصى يرتاح بسكينة ودون محاولات منه لأن يزيل هذا المارد من وجهه ليخلو له المجال ليمارس كذبه وتدليسه وشِركه فيما يدَّعيه بأنه هيكل سليمان الذي يبذل كل طاقاته وقدراته لإعادة بنائه.. ففي 11/04/1982اقتحم جندي صهيوني ساحة المسجد الأقصى من باب الناظر، وشرع يطلق النار من بندقية "إم 16" على حارس المسجد الأقصى الحاج محمد صالح اليماني، البالغ من العمر 65 عاماً، الذي سقط شهيداً على الفور، وأصيب معه أيضاً تسعة أشخاص آخرين.. واصل المجرم تقدمه باتجاه قبة الصخرة وهو يطلق النار بغزارة، تصدى له المصلون والحرس وحاولوا منعه من اقتحام قبة الصخرة ولكن مجموعة مسلحة ساندت المجرم وأخذت تطلق النار معه، قبل أن ينسحبوا ويخلِّفوا وراءهم 35 إصابة.

كانت هذه الحادثة سبباً مباشراً لنقل مصلى النساء إلى قبة الصخرة لإعمارها بالمصلين، وأُفرغ مصلى النساء القبلي ليحل في جزء منه المتحف الإسلامي، والجزء الآخر ليصبح قاعات لكلية الدعوة وأصول الدين التابعة لجامعة القدس، قبل أن يتم نقل مكتبة المسجد الأقصى إليه في عام 2000م، ليحل جزء من المكتبة في ذلك المكان. واستخدم أيضاً مبنى المدرسة الختنية تحت المسجد القبلي وفي نهاية المسجد الأقصى القديم ليضم كتب العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية وآدابها، وبين الختنية ومكتبة المسجد الأقصى أيضاً تم إنشاء مكتبة وقاعة للعب للأطفال.

تحتوي مكتبة المسجد الأقصى الآن على عدد كبير من المخطوطات من بينها مصاحف، ومخطوطات بالتركية العثمانية، ومطبوعات قديمة تتراوح بين كتب نفيسة ومجلات تمت طباعتها قبل حوالي 100 سنة، جزء منها مطبوع باللغة التركية العثمانية وآخر بالإنجليزية والفرنسية وأكثرها بالعربية، إضافة إلى مطبوعات حديثة تقدر بأكثر من 160 ألف كتاب، في مواضيع شتى.

وتُحوسَب الكتب القديمة والمخطوطات ليتسنى للباحثين وطلبة العلم من العالم أجمع الرجوع إليها واستعمالها. ويوجد موقع إلكتروني لها وبوابة بعنوان: الأقصى بيديا بالعربية والإنجليزية.