تقرير القتل والفلتان الأمني.. جرائم تهدد السلم الأهالي بالضفة الغربية

...
غزة/ يحيى اليعقوبي:

إطلاق نار وحرق محال تجارية ومركبات وانتشار عشرات المسلحين المثلمين يحملون بنادق من نوع "M16" بعد قتْل الشاب باسل فخري الجعبري 39 عامًا برصاص مجهولين في مدينة الخليل، مشهدٌ جديد لحالة القلق وانعدم الأمن المجتمعي يعيشها أهالي الضفة الغربية المحتلة، في وقتٍ غاب القانون عن المشهد وأمسكت يد "الثأر" زمام الأمور.

لم تكن الحادثة السابقة الوحيدة فقبل أيام، قُتل مواطن في الخمسينات من العمر وأصيب 5 آخرون خلال شجار مسلح اندلع في مدينة يطا جنوبي الخليل، كما قُتل المستشار القانوني للمالية العسكرية عكرمة مهنا بإطلاق النار عليه داخل منزله في دير الغصون بطولكرم، إضافة للقتل تتنوع مظاهر الفلتان إلى إطلاق الرصاص الكثيف في الأعراس والجنازات، وانتشار السرقة.

وعلى الرغم من أن المؤسسة الأمنية بالضفة الغربية البالغ عدد أفرادها 53 ألفًا تستحوذ على نحو 20 في المئة من موازنة السلطة الفلسطينية (مليار دولار)، غالبيتها تذهب كرواتب، متقدمة بذلك على قطاعات الصحة والتعليم، فإن أداءها في حفظ الأمن ضعيف، وفق ما يرى مراقبون.

وفي آخر إحصائية رسمية أُصدرت في 14 تموز/يوليو الجاري، أعلن الناطق باسم الشرطة لؤي ارزيقات أن نسبة الجريمة في فلسطين ارتفعت بنسبة 40% منذ بداية عام 2021 حتى حزيران، فيما ارتفعت جريمة القتل بنسبة 69% مقارنة مع الفترة نفسها من عام 2020.

وقال ارزيقات: إنه منذ مطلع العام الجاري قُتل 22 مواطنًا، في 18 جريمة، مقارنة مع عام 2020 الذي قُتل فيه 13 مواطنًا في 13 جريمة.

أزمة اجتماعية

وقال مدير مركز "شمس" لحقوق الإنسان عمر رحال: إن موضوع ارتفاع حالات القتل له علاقة بأزمة اجتماعية وأخلاقية وعدم قيام القضاء بدوره المنوط به، خصوصًا تلكؤه بالقيام بما يجب القيام به، ما أدى إلى قيام المواطن بأخذ القانون باليد.

وحذَّر رحال في حديثه لصحيفة "فلسطين"، من تداعيات خطِرة تقف وراء ارتفاع حالات القتل التي من شأنها تهديد السلم الأهلي، ومزيد من الخسائر على المستويين البشري والمادي، وعمليات نهب واتلاف واعتداء على الممتلكات".

وأضاف: أن ذلك سيؤدي إلى شعور المواطن أنه أمين على نفسه وماله، وهذا ما يؤدي إلى زيادة الفجوة بين الناس ونظامهم السياسي، ويمكن أن يشجع آخرين على القيام بأخذ القانون باليد بسبب غياب الردع، فتنتشر عمليات الثأر وتصبح عادة وعرفًا.

وبيَّن أن إدخال كميات من السلاح للضفة الغربية في السنوات الأخيرة أدى إلى تغذية هذه الظاهرة، مرجعًا أسبابه إلى تدفق السلاح من جيش الاحتلال وعصابات المافيا الإسرائيلية، والتي من شأنها إشغال الشارع الفلسطيني بحالة من الفوضى والانفلات الأمني والاجتماعي.

وذكر رحال أن هناك مؤشرًا خطِرًا يتمثل بتخزين العائلة والعشيرة السلاح، وهذا يعني أنها لا تثق بالمؤسسات الأمنية المطلوب منها إنفاذ القانون مما يهدد المشروع الوطني الفلسطيني.

وأشار إلى أن ضلوع الاحتلال وراء هذه الجرائم يطرح تساؤلات إن كان يحاول استنساخ تجربة الداخل المحتل في الضفة الغربية، إذ تعاني مدن الداخل حالات قتل تفتك بالمجتمع العربي، هدف الاحتلال منها إشغال المجتمع العربي عن قضاياه الاجتماعية والوطنية.

غياب أنظمة قانونية

من جانبه، قال رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق المستشار سامي صرصور: إن قانون العقوبات الأردني يجب أن يُلغى لأنه لا يلبّي احتياجات التقاضي، مشيرًا إلى وجود مشروع قانون عقوبات وضع منذ خمسة عشر عامًا لكنه وُضع في الأدراج ولم يناقش حتى.

واستغرب صرصور في حديثه لصحفية "فلسطين"، تطبيق السلطة قانون أُلغي العمل به في الأردن، رغم اختلاف الظروف بين العصر الحالي وفترة الستينات.

وبيَّن أن تعديلًا واحدًا أُجري على قانون العقوبات، تحديدًا على المادة (98) بعد ضغط من مؤسسات المرأة، والتي كانت تعنى بجرائم "قتل الشرف"، مشيرًا إلى إصدار قرار بقانون بعدم إعفاء الشخص الذي يرتكب هذه الجريمة ويعامل معاملة المجرم العادي.

وأشار صرصور أنه في فترة توليه رئاسة القضاء الأعلى بلغت القضايا الإجرائية المتراكمة حينها والتي استلمها من القضاء السابق 150 ألف قضية، مرشحًا ارتفاع هذا العدد في الوقت الحالي.

في يناير الماضي، أصدر رئيس السلطة محمود عباس قرارًا بتعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى الانتقالي، عيسى أبو شرار (في بداية عقده الثمانيني)، كرئيس للمجلس الأعلى الدائم.

جاء قرار عباس، بعد نحو عام ونصف من قرار آخر لعباس بحلّ مجلس القضاء الأعلى، وإنشاء مجلس انتقالي لمدة عام، لغايات "إصلاح القضاء، في حين مُدّدت ولاية المجلس الانتقالي كذلك".

لكن صرصور، يرى أن التغيير لم يحدث وأن المواطن يشتكي ليس فقط من القتل بل من ضياع حقوقه، مردفًا: "تخيل أن مسألة كمبيالة أو شيك قد تستغرق مدة نحو عامين في القضاء، بالتالي للأسف القضاء في حالة يرثى لها لأن هيبته داست عليها السلطة التنفيذية".

ويعتقد أنه في ظل الظروف الحالية يجب أن تعاد عقوبة الإعدام، لأن "الجرائم أصبحت منتشرة ووجود العقوبات الرادعة السالبة للحرية يجب أن تتضمن عقوبة الإعدام حسب الحكم النهائي للقضاة".