من قصص العمل الصحفي في تغطية الحروب

الصحفية "حمد": يا رب ما حد يربي بناتي غيري

...
غالية حمد
غزة/ ريما عبد القادر:

أن تكوني صحفية في الميدان وأمًّا في الوقت ذاته هذه قصة مختلفة ترويها مراسلة الجزيرة مباشر غالية حمد، التي عاشت مشاهد من معركة "سيف القدس"، خاصة أنها نجت من القصف أكثر من مرة بلطف من الله تعالى.

مشاهد مؤلمة من الصعب على حمد (30 سنة) أن تنساها، خاصة أنها الحرب الأولى التي تمر عليها وهي تحمل مشاعر الأمومة، الأمر الذي جعلها تحاول جاهدة التغلب على هذه المشاعر حتى تؤدي رسالتها الإعلامية بأنها صاحبة قضية مقدسة لا يمكن التنازل عنها.

تقول حمد لصحيفة "فلسطين": "أصعب موقف على قلبي حينما كنت أعود للبيت بعد أكثر من يوم من الغياب، بسبب طبيعة عملي التي تتطلب وجودي في الميدان، فكنت في كل مرة أريد أن أغادر فيها المنزل كانتا طفلتاي نغم "6 سنوات" وغنى "سنة ونصف" تبكيان عند خروجي، خاصة الصغيرة؛ فهي متعلقة بي كثيرًا، ورغم ذلك كنت أحاول أن أتغلب على مشاعري".

وتتابع في حديثها: "كنت حينما أغلق باب المنزل أسمع صوت طفلتي وهما تبكيان، الأمر الذي يجعل خطواتي متثاقلة في المغادرة، لكن لا بد من ذلك، خاصة أنني صاحبة رسالة أحاول بها نقل وجع غزة للعالم".

ضغط نفسي

تتابع الحديث عن تجربتها الإعلامية في العمل الميداني في الحرب: "الظروف كانت صعبة جدًّا في الحرب، خاصة أنني أكون مضطرة أن أترك عائلتي، والحركة تكون صعبة جدًّا وخطرة".

وتوضح أنها في تلك المدة كانت تواجه ضغطًا نفسيًّا كبيرًا، إذ كانت تتنقل في أكثر من مكان، فكانت كثير من المشاهد تشعرها بالخوف، خاصة عند رؤيتها الأشلاء بعد كل مجزرة، ويزداد الأمر حينما تقصف المنطقة الموجودة فيها، وفي الوقت ذاته تشعر بالخوف على طفلتيها وأهلها؛ كل ذلك جعلها تعيش ساعات صعبة في أثناء عملها الميداني.

وتبين أن زوجها كان كل مدة يرسل لها صور طفلتيهما حتى يطمئنها أنهما بخير، فكان ذلك يشعرها بالشوق الكبير لهما، الأمر الذي يجعل مشاعر الأمومة تتضاعف لديها، ذلك جعلها تطلب من زوجها ألا يرسل لها صورًا، حتى لا يزيد ذلك من ضغطها النفسي والشوق الكبير والخوف عليهما.

حرب تحمل الأمومة

ومن المواقف التي ما زالت تذكرها حينما قصفت عائلتي إشكنتنا والحديدي، ونجاة الطفلتين ماريا وسوزي، أخذت تتحدث عن صعوبة الأمر، خاصة أن أعمارهما قريبة جدًّا من عمر طفلتها، فكانت تعلم بماذا تفكر كل واحدة منهما، فكانت تشعر بأن كل طفلة هي ابنتها، ورغم ذلك كانت تكابر على مشاعرها حتى توصل صوت الطفلتين إلى العالم.

 ومن المشاهد التي ما زالت عالقة في ذهنها حينما كانت في مكتب عملها الجزيرة مباشر، وكانت تحاول أن ترتاح ولو قليلًا من الوقت بعد تعب ساعات طويلة، لكن القصف المتواصل كان أسبق من التفكير بالراحة، الأمر الذي جعلها تخرج مع طاقم العمل بهلع من البرج الموجودين فيه، ولم يستطع أحد أن يحمل معه أي شيء من الأجهزة، حتى الهواتف النقالة تركت على المكاتب من هول القصف، فكانت تركض في محاولة للخروج بسلام من البرج بأسرع ما يكون، خاصة أن الثانية في هذه الأمور تكون حاسمة ولا يزال أمامها أكثر من خمسة طوابق للنزول أسفل.

وتشير إلى أنه في الليالي الأخيرة التي سبقت انتهاء الحرب كانت الحركة مخيفة جدًّا، والشوارع خالية حيث اشتد القصف كثيرًا، الأمر الذي كان يجعلها في طريقها إلى العمل تكثر من ترديد الشهادة؛ فكانت تشعر أنها في أي لحظة ممكن أن تكون مادة للخبر العاجل ينقلهُ غيرها، وكانت في الوقت ذاته كثيرة التفكير بطفلتيها، فكانت تتضرع إلى الله تعالى بمواصلتها الدعاء: "يا رب ما حد يربي بناتي غيري".

ورغم المخاطر التي أحدقت بحمد في عملها الميداني، ومشاهد المجازر التي ما زالت تراود ذاكرتها، بقيت متمسكة برسالتها الإعلامية (نقل الحقيقة إلى العالم)، وتصر على استكمال هذه الرسالة.