خطاب قيادات حركة فتح.. بين تعاظم المساحات الحزبية وتضاؤل المساحات الوطنية

تنشط حركة فتح -بقوائمها المتعددة- في تقييم تفسيرات لما يجري من أزمات تمر بها في فترة الانتخابات الراهنة، يجتهد التيار الرسمي المُمثَّل في قائمة (فتح العاصفة) في التأكيد أن ما تشهده فتح هو طبيعي، ويمكن تركيز تفسيرات هذا الفريق لما يجري فيما يأتي:

أولاً: يعد هذا الفريق أن ما يجري هو جزء من الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير التي اعتادت عليها فتح منذ زمن بعيد، ويؤكد أن هذا الأمر ميزة لحركة فتح، وليس سلبية.

ثانياً: يعد هذا الفريق أن فتح ما زالت موحدة، وأن من تجنحوا، وتم فصلهم ظاهرة عابرة، ويستشهدون بالانشقاقات السابقة التي عرفتها حركة فتح، وكان مصيرها التلاشي والاندثار.

ثالثاً: وردت تعبيرات على لسان بعض القادة اعتبر الخروج من فتح يشبه ما جرى من ردة زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. رابعاً، الغريب في هذا التيار أنه يُفسِّر كل ما يقوم به من تعاون أمني مع الاحتلال أنه عمل وطني وانتصارات، وفي الوقت نفسه يقذف جميع خصومه، بمن فيهم الفتحاويون، بأقذع الاتهامات التي تصل حد التعاون مع الاحتلال، وتلقِّي تسهيلات منه بهدف إضعاف الحالة الفلسطينية، ومن ذلك ما قاله حسين الشيخ، الوزير المسئول عن تنسيق كل أشكال التعاون العلنية والسرية مع الاحتلال، بحق ناصر القدوة لدى زيارة الأخير إلى غزة بتاريخ 14/4/2021، إذ اعتبر أن هذه الزيارة بتسهيل من الاحتلال لشق الصف الفلسطيني، وأنها وقاحة سياسية من القدوة، ولعبة رخيصة لكسب تعاطف الناخبين.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الدلال الذي حظيت به قيادات فتح من النُخب الفلسطينية الثقافية قد جعلها تقول كل ما تريد دون اكتراث لردات فعل الناس وغضبهم، وأدى في النهاية إلى وقوع هذه القيادة في تناقضات عجيبة، إن اتهام حسين الشيخ آخرين بالتنسيق مع الاحتلال يشير إلى أنه لا يحترم الرأي العام، أو أنه يفترض الشعب الفلسطيني مجموعة من الأغبياء التي لا تُميز، ألا يتوقع حسين الشيخ أن يسأل الناس أنفسهم: كيف زار حسين الشيخ مروان البرغوثي في سجنه؟ هل قام بعملية إنزال خلف خطوط مصلحة السجون الإسرائيلية؟ وأنجز مهمته ثم عاد سالماً غانماً؟

أما الفريق الثاني، المتمثل في قائمة (الحرية) التي يترأسها ناصر القدوة، ويدعمها مروان البرغوثي، فإنها تركز على أن تعدد القوائم جاء نتيجة رفض قيادة اللجنة المركزية الاستماع للانتقادات الجادة، وامتناعها عن استخلاص العبر، لكن هذا التيار يؤكد أن تعدد القوائم لن يضر بحركة فتح، بل بالعكس، إنه سيمكن الحركة من حصد عدد أكبر من المقاعد؛ وذلك لأن الأصوات الغاضبة من رئيس الحركة محمود عباس ستجد فرصتها في منح صوتها لقائمة أخرى من قوائم فتح، وهكذا لا تضيع أصوات من حركة فتح، وأن هذه القوائم ستتوحد داخل المجلس التشريعي، بعد الفوز في الانتخابات.

أما التيار الثالث، المتمثِّل في قائمة (المستقبل)، فإنه يفتح النار على محمود عباس وفريقه بشكل مستمر، ورغم ذلك فقد دعا أعضاء هذه القائمة إلى الاتفاق بين تيارات فتح لخوض الانتخابات في قائمة واحدة، لكن عباس لم يستجب، وبالتالي واصلت قائمة المستقبل وماكنتها الإعلامية الهجوم على محمود عباس، وكيل الاتهامات له ولفريقه السياسي، وتحميله المسئولية عما جرى لحركة فتح، إضافة إلى توجيه اللوم له بسبب إجراءاته العقابية ضد أبناء فتح في غزة، وتلفت قائمة المستقبل نظر الجمهور الفلسطيني أحياناً إلى جمود أدوات محمود عباس في مواجهة سياسة اليمين الإسرائيلي، واقتصارها على التنسيق الأمني المجاني مع الاحتلال.

وتشترك قائمتا (الحرية) و (المستقبل) في التركيز على أن محمود عباس هو الذي يتحمل مسئولية ما جرى لفتح من تراجع وخسائر، وتركزان على أن حركة فتح تمتلك كل المقومات التي تجعلها قادرة على العودة بقوة لتصدر المشهد الفلسطيني.

إن أبرز ما يمكن تسجيله على خطاب القوائم الفتحاوية الثلاث هو تبنيها خطابا سياسيا تتعاظم مساحة الحزبية فيه، وتتضاءل فيه الأبعاد الوطنية، وتتركز محاولتها في استخلاص العبر على كيفية تفادي خسارة الانتخابات، دون أن تعترف بالأخطاء التي أدت إلى خسارتها انتخابات 2006، ودون أن تسعى لتقديم نموذج لوحدتها الداخلية الذي من شأنه أن يُقنع الناخب الفلسطيني بقدرتها على توحيد الشعب الفلسطيني خلفها.

يبدو أن حركة فتح بقوائمها الثلاث تعتقد أنها ستضمن الفوز استناداً إلى ثلاثة عوامل، هي: العامل الأول يتمثل في التاريخ النضالي لحركة فتح، ولهذا تجد أن القوائم الثلاث تُصر على أنها فتحاوية، على الرغم من أن قائمة (فتح العاصفة)، و(قائمة المستقبل) أثبتتا بالدليل القاطع أنهما تتكئان على هذا التاريخ من أجل المضي في طريق معاكس له تماماً؛ لأن أقطاب هاتين القائمتين هم المسئولون ميدانياً عن التنسيق الأمني منذ قدوم السلطة وحتى الانقسام. والعامل الثاني يتمثل في قناعتهم أن السنوات الخمس عشرة السابقة من حكم حماس في غزة يكفي لجعل الإنسان الفلسطيني يُقدم على انتخاب حركة فتح القادرة على توفير الراتب، والعاجزة عن فعل أي شيء آخر. والعامل الثالث يتمثل في اعتقاد أصحاب القوائم الثلاث أن قانون التمثيل النسبي الكامل لن يسمح لحماس بالفوز.

خلاصة القول: يبدو أن قيادات الطبقة السياسية لحركة فتح قد فقدت القدرة على استخلاص العبر، وتُبدي عجزاً عن التوصل إلى تسويات تصالحية فيما بينها، فكيف ستتوصل إلى تسويات مع الفصائل الأخرى؟ وتُظهر ضعفاً في قراءة المشهد الداخلي في فلسطين، أما قدرتها على قراءة المشهد الخارجي، فسنُخصّص لها مقالاً آخر إن شاء الله.