فلسطين أون لاين

آخر الأخبار

تقرير عائلة "زين الدِّين"... فرحة العودة للبيت تغلفت بالدَّم

...
عائلة "زين الدِّين"... فرحة العودة للبيت تغلفت بالدَّم
غزة/ يحيى اليعقوبي:

كانت أميرة البكري (31 سنة) تقف على النافذة وتراقب من مسافة ليست بعيدة ألسنة اللهب المتصاعد من منطقة منزل شقيقتها شيماء (34 سنة) الواقع بحي "الثلاثيني" بمدينة غزة الساعة الثانية فجر الثلاثاء الماضي، لحظة توالي الانفجارات، وهي تمسك هاتفها المحمول محاولةً الاتصال بها أو بزوجها، دون رد! ما زاد مخاوفها وأشعل هواجس أفكارها، قبل أن يقطع صوت ابن عمها القادم من نافذة الطابق السفلي محاولاتها لالتقاط مكالمة واحدة تكفي لطمأنتها، فسألها: "كلمتي أختك تطمني  عليها؟- برن عليها بتردش".

لم يمر السؤال بشكله الطبيعي على قلب الأخت، كما أراد ابن عمها، فنزلت لبيتهم، وقبل أن تدخل كان يتحدث بسماعة الهاتف الخارجية مع صديقه، سمعت ما قاله بوضوح وتلقت الصدمة بلا تمهيد: "استشهدت هي وطفلتها".

بأحد زوايا أقسام المستشفى الأهلي المعمداني بمدينة غزة، الذي يعج بالمصابين والمرضى، تراقب الممرضة العلامات الحيوية للطفل فؤاد زين الدين (12 سنة) بيده المبتورة، يبادلها ابتسامة ترسم تعرجاتها على وجهه المصاب بحروق، متمردة على واقعه، أو ما يعيشه داخل نفسه بعدما فقد أمه وشقيقته تاليا (7 سنوات) في قصف الاحتلال لمنزلهم فجر الثلاثاء 18 مارس/ آذار 2025.

تبديل أماكن

قبل القصف بثوانٍ، وبعد دوي أصوات الانفجارات، أرعبت قلب فؤاد وشقيقته وأيقظتهما من النوم، كما أيقظت والديهما، هرعت الطفلة لحضن أمها لترحل معها، بينما استجاب والده لنداء مخاوف فؤاد محاولاً تهدئته وإسكات مخاوفه، عندما قصف البيت المجاور، ومزق تأثيره جدران منزلهم بالكامل.

 لم تحفظ ذاكرة الطفل من بقايا المشهد، سوى أصوات صراخ والده طالبًا الاستغاثة في عتمة الليل، ولحظة تعثر رجل كان يبحث عن ابنته بـ "فؤاد" لينقله لآخرين الذين أوصلوه للمشفى، بينما أكمل الرجل رحلة بحثه، فيما غاب عنه مشاهد انتشال أمه وشقيقته، وغاب عن لحظات وداعهن.

رغم أن المساحة التي يجلس فيها الطفل على سرير يتقاسمه مع والده المصاب صغيرة، إلا أنها كانت تمتلئ بالأقارب معظمهم من عائلة أمه، يحاول الجميع مواساة الطفل، وإبعاده عن تفاصيل الحدث، وتسكين جراح قلبه فيما تداوي الممرضة آلامه، لكن عيون الطفل ونظراته، كانت ترى صوت أمه وشقيقته الأخيرة، بكائهن، وصراخهن، وضحكاتهن قبل ساعات من القصف.

photo_2025-03-24_20-46-40.jpg
 

تسمعُ صوت بكاءه، وكأنها قطرات ماء هاربة من غيمةٍ ممطرة وهو ينسجُ لصحيفة "فلسطين" خيوط قصته الدامية: "كانت شقيقتي تبكي فذهبت للاحتماء بحضن أمي بعدما سقط جدار عليهن، كنت أريد اللحاق بها لأني كنت خائفا مثلها حتى سمع أبي صوتي فهرع إلي وعند وصوله لسريري حدث القصف. قبلها بيوم استقبلنا عماتي وكنا سعداء والبيت مليء بالضيوف، وأصيبت إحدى عماتي التي باتت ليلتها عندنا بجراح".

يتقلب الخوف داخله وهو ينقل  ما رآه في تلك الليلة: "كنت أتألم بشدة بسبب نزيف يدي، وحمدت الله أنه أرسل ذلك الرجل لينقلني للمشفى بالرغم من العتمة".

تجلس خالته، أميرة البكري على كرسي بلاستيكي في ممر ضيق يفصل بين أسرّة عديدة بالمستشفى الأهلي "المعمداني" في داخل قسم متكدس بالمرضى والجرحى، لا يفارقها في حديثها لصحيفة "فلسطين" آخر مواقف جمعتها بشقيقتها الشهيدة قائلة: "قبل يومين من الاستهداف فقدت هاتفي خلال العمل، وكنت في حالة صدمة، وعندما رجعت للبيت جاءتني وقالت لي مواسية: "لا تحزني على شيء مادي يذهب، الحزن الحقيقي هو فقد من نحبهم"، ثم ابتسمت وأعطتني دفعة أمل: "بكرا بفتح المعبر بتشتري جوال" وأمضينا لحظات جميلة وتناولنا طعام الإفطار معا".

فرحة لم تكتمل

لم تنتهِ الذكريات الأخيرة بين الشقيقتين عند الموقف السابق، فتلقط صوت "شيماء" القادم من ذاكرة آخر يوم: "اتصلت بي، وتحدثنا عبر الهاتف، وبدت سعيدة أنها ذهبت لجنوب القطاع واشترت ملابس العيد لطفليها من هناك".

درست شيماء البكري الخدمة الاجتماعية وعملت فترة ثم كرست حياتها لعائلتها ولتربية طفليها، نزحت لجنوب القطاع خمسة عشر شهرًا، ذاقت خلالها قسوة التشرد ومرارة البعد عن البيت، "لم ينقطع أملها بالعودة لمنزلها، رغم أنني كنت استبعد ذلك مع استمرار الحرب وتصاعدها، والحديث عن خطط التهجير، لكنها كانت في كل مرة تجدد الأمل، وكانت فرحتها كبيرة بعودتها حتى أنها في كل يوم كانت تنظف بيتها الذي وجدته "جنّة" لشدة فرحتها بالعودة، واستشهدت على سريرها" تقول شقيقتها بعين دامعة وقلب مكلوم.

عن مشهد الوداع، أخذت نفسًا عميقًا مليئًا بالألم؛ وهي تعيش تلك اللحظة من جديد: "انتظرت حلول الصباح، وذهبت للمشفى، بحثت عن فؤاد فوجدته بغرفة العمليات تجرى له عملية بتر في اليد، كان الأمر قاسيًا علي، ثم بحثت عن شقيقتي فوجدتها مكفنة مصابة بشظايا الصاروخ بمنطقة البطن، كانت الساحة مليئة بالأطفال الشهداء وبينهم طفلتها تاليا (7 سنوات)".


photo_2025-03-24_20-46-40 (3).jpg

قبل الحرب بفترة وجيزة توفي والدها، لم تخرج العائلة من الحزن على فقد والدهم،  ولم تفرح بعودة ابنتها من رحلة نزوح طويلة، يطل مشهد العودة من ذاكرة شقيقتها: "احتضنتا بشدة، لم أرهَ بذلك الفرح من قبل، عندما عانقت هواء وتراب غزة ووجدت منزلها قائمًا، الذي تركت فيه ذكرياتها وعاشت فيها أجمل أيام عمرها، لتختم حياتها بأيام جميلة رغم كل ما عانته، ختمت بالشهادة".

تميزت "شيماء"، بالمحافظة على تلاوة القرآن وعلى صلاتها وكانت حريصة على تأدية صلاة التراويح بأحد المساجد القائمة، وخلال شهر رمضان ختمت القرآن ثلاث مرات، لتختم وردها الأخير بالدم قبل أن تحقق أمنيتها بإحياء ليلة القدر بالمسجد، "عاشت حنونة تحب الجميع، والكل كان يحبها، رحيلها كان صدمة، والحمد لله ضل "فؤاد" من ريحتها" قالتها وهي تحاول التماسك ومنع دموعها من التساقط.