فلسطين أون لاين

اختصر بها عمل أربع آلات ووفر على المزارعين جهدًا كبيرًا

المزارع محمد الفرا.. من "خياله" جاء بـفكرة "التبانة"

...
خان يونس- يحيى اليعقوبي

ليس سهلًا أن تحول شيئًا ما بمخيلتك إلى واقع، لا سيما إن كان ما تفكر به صناعة أو تطوير ماكينة صممها مهندسون، فبين الخيال والواقع مسافة تتطلب مهارة في التصنيع وتوظيف القطع للوصول إلى الشكل المطلوب، والأهم الوظيفة المحددة، هذه المسافة قطعها المزارع محمد الفرا الذي طور آلة حصاد القمح واختصر عمل أربع آلات.

الساعة الثانية عشرة ظهرًا؛ للتو عاد المزارع الفرا من حصاد أراضي المزارعين شرق محافظة خان يونس، وأركن آلته بالقرب من منزله، القريب من المستشفى "الأوروبي".

صعد الفرا بوساطة السلم الحديدي المثبت على آلة الحراثة التي تشبه الجرافة نوعًا ما إلى مقصورة القيادة، وما إن شغل المحرك حتى بدأت كل البكرات الدوران، تحركت معها حبال جلدية بحركات متناسقة لا تتقاطع أو تتشابك، طور كثيرًا منها كمهندس ماهر، ارتفع كباش الحصاد قليلًا عن الأرض وبدأت الحلقات الدائرية الدوران لجمع القمح، بعد أن تقص أسنان صغيرة تسمى (سيفا) أسفل الكباش القمح.

أطفأ المحرك، ونزل من الآلة شارحًا طريقة عملها لصحيفة "فلسطين"، مشيرًا بيده نحو مقدمة الكباش قائلًا: "تدخل الماكينة المزرعة وتبدأ قطف القمح، ويبدأ السيف قص القمح، بعمود لولبي ثم يمر عبر أضراس إلى داخل الماكينة، ثم يفرز الحبوب باتجاه مصاف نحو صندوق مخصص للقمح، ويبدأ عمل الطريقة الثانية التي أضفتها بدلًا من رمي القش، فيدخل القش بوساطة أضراس طحن إلى خزان خلفي (صندوق حديدي مغطى بقماش له باب سفلي)".

يشير نحو الصندوق الخلفي: "يستطيع جمع أربعة أطنان من القش، فينزل "التبن" على الأرض خلال ثانيتين بعدما يفتح قسميه باتجاهين".

"أجمل شيء فعلته أنني أرحت المزارعين، ووفرت 70% من الجهد والطاقة والتكلفة التي كان يبذلونها قبل، والآن هم سعداء" يقول الفرا.

وأنت تقف أمام آلة الحصاد المطورة (التبانة) لن تستطيع التفريق بين الجزء الأصلي من هيكلها، والجزء المضاف إليها بعد التطوير، فالجزء الذي طوره الفرا لا يقل انسيابية ومظهرًا، فالجزء الأصلي يتكون من كباش الحصاد عبر أسنان ودوائر حديدية لجمع القمح وفرزه، ثم مقصورة قيادة، ثم القسم الثالث الذي طوره الفرا والمتعلق بفرز "القش" بدلًا من رميه كما كان سابقًا، وطحنه "تبنًا" وتخزينه بصندوق كبير يسع خمسين كيسًا، ثم يفرغ حمولته بعد امتلائه، وتكرار العملية.

كانت الآلات السابقة المستوردة تجمع القمح وتأخذ الحبوب، وترمي القش خلفها، لكنه طور آلته لتجمع الآن القمح وتفصل الحبوب، فلا ترمي "القش" بل تحوله إلى "تبن" بالماكينة نفسها.

لم يكترث لقطرات العرق التي تبلل جبينه، استقبلنا "الفرا" بوجه طلق في صالة استقبال الضيوف بمنزله، قبل أن يأخذنا إلى آلة "حصاد القمح" التي طورها وأطلق عليها اسم "التبانة"، وتحدث كيف اختصر بهذه الفكرة عمل أربع آلات، ووفر على المزارعين الكثير من الجهد والمال.

غصنا في شخصية الرجل وخبرته بهذا المجال، فقد تركت تجاربه في الحياة والعمل في الحصاد أثرها على ملامحه الداكنة، اكتسب معها خبرة كبيرة توجها وقد غزا الشيب الأبيض رأسه، باختراع محلي طور به آلة الحصاد، لتحصد خبرة 30 عامًا من العمل في هذا المجال.

دافع وسبب

كان في الماضي يأتي فلسطينيون من الأراضي المحتلة سنة 1948م، لحصاد أراضي مزارعي غزة عبر الماكينات، لكن مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، منعهم الاحتلال من القدوم للحصاد، وكان المزارعون يعانون وأصبح الحصاد شاقًّا ومتعبًا، يقول: "سمعت عن تلك المعاناة، واشتريت في أواخر الثمانينيات آلة وبعد سنوات اشتريت آلة ثانية ثم ثالثة، حتى أصبح لدي أربع آلات، منها الآلة التي طورتها وأعمل عليها منذ 15 عامًا".

لم تكن فكرة تطوير الآلة وليدة اللحظة في ذهن "الفرا"، بل تواردت إليه مع بداية 2000م، لكن تركيزه في تعليم أولاده بالمدارس والجامعات حال دون تمكنه من تنفيذها، حتى بدأ عام 2018م تنفيذها مدة خمسة أشهر، وساعدته اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تكاليف المشروع.

كيف استطعت تنفيذه دون النقل عن تصميم آخر؟ ابتسم قبل أن يجيب: "تخيلت أن الأمر ناجح، فنفذته على أرض الواقع، لم يكن لدي أي تصور من أي تصميم آخر، فحولت الآلة إلى أخذ حبوب القمح و"القش" معًا وفرز كلٍّ في مكان، وليس كما في السابق تأخذ حبوب القمح وترمي القش".

وماذا عن الصعوبات؟ يرد: "الصعوبات لم تكن كثيرة، كنت أتعامل مع انقطاع التيار الكهربائي، فأعمل على مدار خمسة أشهر متواصلًا، أحيانًا لا أعرف النوم حينما تكون ساعات وصل الكهرباء ليلًا، كنت أحسب حركة "البكرة"، وقطرها وحجمها وطريقة عملها".

فرق بآلية العمل

يختصر الفرق بين آلته التي طورها والآلات الأخرى بأن الآلة الأخرى كانت تأخذ حبوب القمح وترمي "القش"، ثم تأتي آلة ثانية لجمعه، وتأتي آلة ثالثة لتنظيمه، وآلة أخرى تطحنه "تبنًا"، لكنه اختصر كل هذه الماكينات بواحدة تقص القمح من الأرض وتفرز حبوب القمح، وتطحن القش وتضعه في خزان خلفي كبير بدلًا من رميه، فينزل للمزارع كوم حبوب قمح وكوم "تبن" مباشرة، ولا يرمى القش.

"لا يوجد شيء صعب حينما يثق الإنسان بنفسه" وصل الفرا إلى هذه المرحلة بعد تجارب خاضها في مجال الحصاد، تعرف إلى تركيبة كل آلاته، وطورها، لكنه تواجهه مشكلة في موسم الحصاد القادم، إذ إن أعدادًا كبيرة من المزارعين طلبوا "التبانة" لحراثة أراضيهم، لكن طاقتها لا تزيد على حصاد 20 دونمًا في اليوم، والطلبات التي تصل إليه أكبر من ذلك، ما يحتم عليه تطوير آلة أخرى الموسم القادم.

لم تكن "التبانة" الشيء الوحيد الذي ابتكره، فعام 1979م طور محراث البطيخ، إذ وفر جهدًا كبيرًا، وكان المحراث بجوار "التبانة"، يكمل حديثه: "هذا المحراث له تسع أسنان، فأزلت واحدة ووضعت سنين أصغر لتسهيل انتشال البطيخ دون الإضرار بالمحصول، بوساطة الجرافة، يومها حرثت 80 دونمًا خلال يومين، وكنا آنذاك نمضي شهرين ونحن نحرث بوساطة الدواب"، يبتسم: "إلى اليوم المزارعون يستخدمون الطريقة التي ابتكرتها".