كيف أثّر وباء كورونا على الحالة السياسية والاقتصادية في الضفة والقطاع؟

جائحة كورونا من بين القضايا التي تصدرت المشهد الدولي، وقد اجتاح الوباء جميع أقطار العالم في فترة قياسية محدودة، وقد أكدت تقارير دولية فشل النظام الدولي في التصدي لهذا الوباء الخطير الذي حصد من البشرية الآلاف وأصاب ما يزيد عن مليونين من سكان العالم من جميع الأجناس والأعمار، كما أعلنت منظمة الصحة العالمية أن الفايروس "وباء عالمي" وهذا يستدعي تكامل وتضافر الجهود الدولية لإنقاذ البشرية، كما أنه أوقف الحركة فيما يزيد عن 70% من سكان الأرض، وأودى بخسائر اقتصادية فادحة، وترهل في الأنظمة السياسية والصحية الدولية والعربية، كما بدّل ثقافات مجتمعية تجذرت منذ قرون بين الأعراق، والأجناس، والطبقات وصولاً للعائلة الواحدة والبيت الواحد والفرد الواحد..

ساهمت هذه المتغيرات في تسليط الضوء على مؤثرات وباء كورونا على الحالة السياسية والاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة، كون أن تلك المناطق تقع تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي الذي يسيطر عليها أمنياً، ويتحكم في حركة المعابر وإدخال ما يلزم من مستلزمات غذائية وأخرى طبية ويمنع ما يمكن أن يُستخدم لمكافحة الوباء.

ولقد بدأت مقالي هذا بطرح تساؤل قد لا يقل خطورة عن خطر الجائحة التي قتلت الآلاف وهتكت بقطاعات اقتصادية عظمى على مستوى العالم، فالأثر الذي تَبعَ كورونا على المستوى الاقتصادي لا ينفصل بالمطلق عن ذاك الأثر على المستوى السياسي، فالروابط بين السياسة والاقتصاد هي روابط تتعلق بأدوات الحكم ورسم السياسات والخطط وبناء الاستراتيجيات التي من خلالها تحافظ الدولة على تحديد واقعها الاقتصادي بقرار سياسي.

إن الآثار السلبية التي تعرض لها الاقتصاد الفلسطيني غير مسبوقة في خسائرها التي ارتفعت معدلاتها في العديد من القطاعات الاقتصادية، منها الزراعية، والصناعية، والسياحية، وارتفاع معدل البطالة ليصل إلى ما يزيد عن 70% من سكان القطاع وما يقرب من 40% من سكان الضفة الغربية وفقاً لبعض المؤشرات الاقتصادية والتقارير التي تتابع وترصد ما يتعرض له الاقتصاد الفلسطيني خلال تلك الجائحة، سيما أن ما يزيد عن 80% من سكان الضفة والقطاع يتلقون دخلاً من خلال ارتباطهم بأعمال حرة، كالعمال، والمحال التجارية، وسائقي المركبات، والمزارعين، والفنيين، والشركات الخاصة، ...إلخ.

كذلك قيام الاحتلال الإسرائيلي بمنع إدخال الأموال من المنح والمساعدات التي تُقدَّم للقطاع في سياق هذه الجائحة، واستنزاف حقيقي للموارد المالية في ظل حالة الحصار، وإغلاق المعابر أمام المنتجات الزراعية، الأمر الذي ساهم في ضعف الدورة الزراعية للمنتجات الزراعية نتيجة خسائر فادحة أصابت القطاع الزراعي، إضافةً إلى التعطيل المحتمل في وصول المنتجات الغذائية من الخارج، نتيجةً لإجراءات الإغلاق المتواصل في معظم دول العالم، ما يعني أن هناك تهديداً للأمن الغذائي قد يصيب الضفة الغربية والقطاع، ما لم يكن هناك أي تحرك ملموس على مستوى لجان إدارة الأزمة والتي بإمكانها العمل على تأمين ما يلزم من مواد غذائية لأشهر عدّة قادمة.

أما على المستوى السياسي فقد ظهرت تأثيرات الوباء العالمي على القرار السياسي الفلسطيني الذي فشل في توحيد الجهود لمكافحة الوباء. فحالة الانقسام ما زالت مستمرة، وتشكيل لجان إدارة الأزمات لا تزال منفصلة بين الضفة والقطاع، على الرغم من التزام القطاع بكافة القرارات التي صدرت من رئيس السلطة محمود عباس، والتي من خلالها تم الإعلان عن تعليق الدراسة، ومنع التجمعات، والحجر الإجباري المنزلي والخاص بأماكن الحجر لكل الوافدين. على صعيد غير منفصل لم تتلق غزة حصتها من الدعم المقدم للسلطة الفلسطينية لمواجهة الجائحة، مع البقاء على فرض العقوبات على قطاع غزة، ومواصلة تقنين امدادات وزارة الصحة بغزة.

كذلك إجراءات الاحتلال الإسرائيلي تجاه الأسرى ومنع معظم المستلزمات الواقية التي تساعدهم في اتخاذ التدابير الوقائية للحماية من الوباء، الأمر الذي دفع برئيس حركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار لطرح مبادرة إنسانية يتم بموجبها إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من كبار السن والمرضى والنساء والأطفال، مقابل معلومات تتعلق بالجنود الإسرائيليين الأسرى لدى المقاومة. التقط الاحتلال مبادرة السنوار وبدأ بتوظيف محدداتها بما يمكن التفاوض عليه من خلال وسطاء أوروبيين وصولاً إلى إبرام صفقة تبادل أسرى قريباً.

العديد من المؤثرات الأخرى والخطيرة أصابت الحياة الفلسطينية بشكل عام، ستكون ضمن مقالات أخرى بإذن الله، فهل أعتقد الفلسطينيون يوماً أن هناك ما هو أخطر من الاحتلال على هذه الأرض، ومواجهته تكمن أيضاً بالوحدة الوطنية، والقرار المشترك، والهدف الواحد والاستراتيجي، وهو الحفاظ على مستقبل القضية الفلسطينية ومشروعها النضالي والوطني.