ترك الشهيد الطفل الأصم تحرير محمود وهبة (17 عاماً) خلفه ورقة صغيرة، أظهرتها والدته لوسائل الإعلام مكتوبا عليها بخط يده "أريد الشهادة وليس الإصابة".
بهذه الطريقة عبر الطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، عن حبه للوطن واستعداده للتضحية من أجل ترابه الذي سلبه الاحتلال الإسرائيلي من عائلته ومنعها من التنعم بخيراته.
الطفل وهبة ارتقى شهيدا متأثراً بجراحة إثر إصابته برصاص الاحتلال الإسرائيلي في رأسه، شرق مدينة خان يونس، أثناء مشاركته في مسيرة العودة الكبرى الجمعة الماضية.
"حبه للوطن هو الذي ناداه"، تقول والدته لصحيفة "فلسطين" قبيل إلقاء نظرة الوداع على جثمانه بمنزله في بلدة معن بخان يونس جنوب قطاع غزة، وتوضح أن بلدتهم الأصلية هي صرفند العمار.
الوالدة الحزينة على فراق نجلها، ظهرت أمام كاميرات الصحفيين متماسكة وقوية، توزع الصمود على النسوة اللاتي جئن لمواساتها، من خلال تأكيدها على التمسك بحق العودة الذي استشهد تحرير من أجله.
وقالت والدة الشهيد: "أبنائي السبعة الباقون وأنا في مقدمتهم فداء للوطن وللعودة وللقدس. سلب الاحتلال فلذة أكبادنا من بيننا لكننا مصممون على حقنا بالعودة إلى أراضينا اليوم وغدا وبعد غد، طالما بقيت الأرواح في أجسادنا".
ودعت إلى استمرار مسيرة العودة حتى تحرير فلسطين وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، ليس فقط إلى منتصف مايو، قائلة: "القدس عاصمة فلسطين شئتم أم أبيتم".
وأشارت إلى أن نجلها تحرير أصم لا يتكلم، كان يدرس في مدرسة خاصة بغزة، قائلة: "لم نستطع دفع تكاليف مواصلاته من خان يونس إلى غزة، فلم يكمل في تلك المدرسة، ثم توجه لمدرسة الأمل لذوي الاحتياجات الخاصة برفح واستمر بها سنتين، ولم نستطع أيضا دفع تكاليف دراسته فجلس في البيت".
وتابعت الوالدة المكلومة: "سجلته قبل شهرين في جمعية الهلال الأحمر من أجل تلقي تدريبات مهنية، لكنه نال الشهادة التي تمناها"، مشيرة إلى أنه كان يعمل في مطعم مأكولات شعبية -فلافل- ويساعد في سد مصاريف المنزل.
أما والده، فأوضح لصحيفة "فلسطين" أن: "تحرير ولد بإعاقة لا يتكلم ولا يسمع، قائلاً: "كان يحب وطنه، وعندما سمع بمسيرة العودة الكبرى لبى النداء وتقدم صفوف المتظاهرين يعبر عن حقه بالعودة بشكل سلمي".
وتابع: "تحرير لم يحمل سلاحاً بل رفع علم فلسطين طالبا العودة إلى بلاده، وهذا حق مشروع له ولكل فلسطيني"، مشيرا إلى أنه عبر عن غضبه بإشعال الإطارات المطاطية بشكل سلمي.
وأضاف وهبة: "لم يرق للجنود المغتصبين المدججين بالحقد والكراهية لكل ما هو فلسطيني هذا المشهد، فقنصوه بطلق ناري حي في رأسه دون رحمة"، متمنيا نيل الشهادة على طريق طفله في سبيل الوطن والدين.
وقال: "لن يهدأ لنا بال وسنستمر بالنضال والكفاح حتى يخرج آخر جندي محتل من بلادنا"، مشددا "أطفالنا سيزحفون إليهم وسينظفون مقدساتنا من دنسهم وظلمهم".
كرامتنا فوق الجميع
وأبكت مشاهد وداع أصدقائه مَن حولهم، لكنهم أكدوا على السير على طريقه وعدم ترك دمائه تذهب هدرا.
وقال صديقه مصعب القصاص الملقب بـ"قائد وحدة الكوشوك" بمخيم العودة شرق خان يونس: "رغم وجود إعاقة لتحرير في النطق والسمع، إلا أنه تقدم الصفوف وكافح من أجل إيصال رسالته وصوته بحقه في العودة".
وتابع: "تحرير منذ إعلان ترامب بشأن القدس لم يهدأ له بال"، قائلا: "تحرير لم يحمل متفجرات أو سلاح محرم دوليا، وإنما رفع علم فلسطين وإطارات مطاطية -عجال كوشوك- من أجل التغطية على المتظاهرين من قناصة الاحتلال".
وتساءل القصاص في حديثه لصحيفة "فلسطين": "ما ذنبه ليقتله الجنود بطلق ناري اخترق رأسه؟"، مضيفا: "ذنبه أنه فلسطيني لديه كرامة يغار على أرضه ووطنه وعرضه".
وأوضح أن أساليب الشبان في التعبير عن حقوقهم هي أساليب سلمية وفق القوانين الدولية، قائلا: "رغم القتل والإصابات سنواصل الطريق نحو العودة".
وشدد قائد وحدة الكوشوك "لن نسمح لأي إنسان في العالم أن يدوس على كرامتنا، لأن كرامتنا فوق الجميع، وأرواحنا رخيصة فداء للوطن فلسطين".

