منذ 50 يومًا، خرج رائد المناصرة من خيمة نزوحه القسري متجهًا إلى حيّ الشجاعية شرق مدينة غزة، ليجمع بعض الحطب في سبيل توفير لقمة عيش أطفاله الستة، لكنه لم يعد.
لا خبر عنه، ولا جثمان، ولا إفادة تؤكد إن كان شهيدا أو معتقلا. والدته، فريال أبو غانم (66 عامًا)، لا تملك سوى الانتظار، في حين ترك رائد خلفه أطفالا أصغرهم لم يتجاوز الرابعة من عمره، وزوجةً لم تعد تعرف إلى من تتجه أو أين تسأل.
وسط مدينة غزة، تذرف والدته دموعها في خيمة النزوح، قائلة لـ "فلسطين أون لاين": منذ بداية اتفاق وقف إطلاق النار، كان رائد (48 عاما) يذهب إلى الحي كل أيام عدة ويعود، لكن في المرة الأخيرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، مرت الساعات والأيام ولم يرجع إلى الآن.
يملك رائد بيتا في حي الشجاعية، لكنه بات يقع ضمن ما يسمى "الخط الأصفر"، الذي وسعه الاحتلال بالقوة العسكرية في ذات اليوم الذي ذهب فيه رائد إلى الحي، بحسب والدته.
تضيف المسنة: بتنا في حيرة، هل هو معتقل؟ أم شهيد؟ لا إجابة حتى الآن، مبينة أن زوجة المفقود تواصلت مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، دون أن تتمكن من تحديد مصيره لـ"خطورة المنطقة".

ويشير مصطلح الخط الأصفر إلى المنطقة التي تراجعت إليها قوات الاحتلال بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقَّع في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ويمتدّ الخط الأصفر على طول قطاع غزة بعمق يتراوح بين كيلومترين و7 كيلومترات، ويبتلع نحو 52% من مساحة القطاع عبر تصنيفها "مناطق قتال خطرة" خاضعة لسيطرة جيش الاحتلال.
وخلف هذا الخط، يتمركز جيش الاحتلال في مناطق تشمل شرق مدينة غزة بأحيائها الشجاعية والتفاح والزيتون، إضافة إلى بلدات شمالية وهي بيت حانون وبيت لاهيا، ومناطق جنوب القطاع في رفح وشرق خان يونس.
لا تملك فريال اليوم من أمرها شيئا، لكن ندوب الذكريات غائرة في وجدانها. تقول: "كان يأتي لينام عندي، يقول لي: أريد أن أشبع منك".
وتطالب "الصليب الأحمر" والمؤسسات الدولية المعنية بمساعدتها في معرفة مصير رائد.
وردا على سؤال "فلسطين أون لاين" عن الموقف من معاناة أهالي المفقودين في غزة، قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر: إنه لا جديد حاليا في هذا الشأن.
"أجمل الشباب..."
تطال المعاناة أيضا المسن محمد جندية (64 عاما)، الذي يفتقر لأي معلومة عن نجله الثلاثيني صامد منذ بداية حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ولجندية ابنان آخران استشهدا خلال حرب الإبادة وتمكن من دفنهما، بينما يعتصره الألم على نجله صامد، مبينا أنه يريد دفنه إن كان شهيدا، ويخشى عليه من التعذيب في سجون الاحتلال إن كان معتقلا.
ويأكل الحزن أيضا زوجة صامد وطفلاته الثلاث، دون أن يتيقنوا من معرفة مصيره.
وبالكاد يستطيع الرجل إخفاء ملامح حزنه في حديثه لصحيفة "فلسطين"، مبينا أن سيناريو استشهاد صامد، الذي كان يعمل في مجال البلاط، هو الراجح في شعوره.
يضيف: أبنائي الشهداء كانوا أجمل الشباب، عندما أرى أصدقاءهم أبكي وأتعذب، لكنهم فداء للقدس، وإذا لم نضح نحن فمن سيضحي؟

ويجتمع على جندية وجع الفقد والنزوح القسري، إذ دمر الاحتلال منزله في حي الشجاعية، ويقيم الآن في خيمة وسط مدينة غزة.
انتهاك للقانون الدولي
حقوقيا، تقول مسؤولة الإعلام في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان مها الحسيني: إن في قطاع غزة آلاف المفقودين، معظمهم شهداء تحت الأنقاض وآخرون في سجون الاحتلال، مؤكدة حق العائلات معرفة مصير أبنائها.
وفي حديث مع "فلسطين أون لاين"، توضح الحسيني أنه يجب أن تحصل العائلات على حق معرفة أماكن وجود أبنائها، ودفن شهدائها بكرامة، مردفة أن الاحتلال يمنع هذه الإجراءات من خلال حظر وصول الأهالي لمناطق مختلفة، وعدم تمكين الطواقم الطبية وفرق الإنقاذ من البحث عن الضحايا والوصول إليهم.
وتشير إلى أن الاحتلال ينكل بجثامين الشهداء ويجرف الأراضي التي تتواجد فيها جثامينهم، ممثلة على ذلك بما يحدث في رفح جنوب قطاع غزة التي يسيطر عليها الاحتلال بالقوة العسكرية.
يمثل ذلك انتهاكا جسيما للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني يمس كرامة الشهداء وحقوق عائلاتهم، مما يستوجب -بحسب الحسيني- مساءلة فورية وضغطا دوليا عاجلا على الاحتلال، في سبيل إنشاء آلية إنسانية واضحة وملزمة للبحث المنهجي عن الضحايا وانتشال الجثامين وحماية الرفات.
وفيما يتعلق باعتقال الاحتلال غزيين دون إبلاغ ذويهم، تقول: هذه الحالات تعد إخفاء قسريا داخل السجون، إذ يتعمد الاحتلال منع وصول أي معلومات عن الضحايا.
وتؤكد أن هذه تمثل سياسة إسرائيلية منذ ما قبل حرب الإبادة الجماعية، عبر تعمد عدم إعطاء معلومات عن الأشخاص المخفيين قسرا، ما يمثل انتهاكا جسيما للقانون الدولي.
وتضيف: حتى الأشخاص المقاتلين، وفق القانون الدولي يجب على قوات الاحتلال وسلطات السجون إعطاء معلومات لمحاميهم عن أماكن تواجدهم.
وخلال عامين من حرب الإبادة، بلغ عدد الشهداء والمفقودين حوالي (77,000) شهيدٍ ومفقود، وصل منهم إلى المستشفيات أكثر من (67,000) شهيد، بينما (9,500) مواطن ما يزالون في عداد المفقودين، وفق بيان للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة في 10 أكتوبر/تشرين الأول.
ولا يزال أكثر من (6,700) معتقل فلسطيني يتعرضون للتعذيب الشديد في سجون الاحتلال، بينهم طواقم طبية وصحفية، بحسب البيان ذاته.
ورغم مرور الأيام والأشهر ثقيلة على الأهالي، تتفاقم أوجاع لا يطفئها إلا تحديد مصير أبنائهم.

