ما إن أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي إغلاق معابر غزة على إثر تدهور الأوضاع الأمنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد العدوان على إيران، حتى شهدت الأسعار ارتفاعًا في أسواق القطاع الساحلي ومحاله التجارية، لاسيما المواد الغذائية التي تلقى إقبالًا متزايدًا في شهر رمضان.
وعلى الرغم من تحذيرات الجهات الحكومية للتجار من احتكار البضائع والسلع أو رفع أسعارها، إلا أن هذه التحذيرات لم تلق آذانًا صاغية، ما يُعيد إلى الأذهان الطريقة التي تعامل بها هؤلاء التجار خلال حرب الإبادة، وكيف أدت إلى وصول أسعار السلع الغذائية إلى أرقام فلكية، وما خلّفته من تداعيات خطيرة على الأوضاع الإنسانية.
طالع المزيد: الأسواق تشهد إقبالاً لافتًا بدافع القلق... والجهات المختصَّة تدعو لعدم التَّخزين المفرط
ورصدت صحيفة "فلسطين" خلال جولة لمراسلها في الأسواق المحلية ارتفاعًا ملموسًا في أسعار المجمدات والخضروات والفواكه وسلع أخرى، فيما وجّه مواطنون أصابع الاتهام إلى تجار لجؤوا إلى الاحتكار.

بين عدة محال وأسواق في مدينة غزة، تنقل الشاب محمود أبو الخير، من سكان حي الرمال الشمالي، بحثًا عن أسعار مناسبة، لكنه اضطر في النهاية إلى شراء كمية قليلة من الغذاء والخضروات، ليسد بها رمق أفراد عائلته.
قال لـ"فلسطين": "ارتفعت الأسعار بشكل جنوني في اليوم الأول لإغلاق المعابر، فكيف ستصبح الأسعار إذا استمر إغلاقها عدة أسابيع؟"
وكان جيش الاحتلال أعلن، مساء السبت، إغلاق جميع معابر غزة دون أن يحدد مدة زمنية معينة لإعادة فتحها، لكن مصادر تجارية محلية توقعت أن يُستأنف عملها مع حلول نهاية الأسبوع الحالي.
وأضاف أبو الخير: "رفع الأسعار بهذه الطريقة يؤكد أن التجار كانوا بانتظار قرار إسرائيلي بإغلاق المعابر.. هذه الإجراءات تعمّق معاناة الناس وتكرر مأساة المجاعة".
وإبّان الحرب التي اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واستمرت عامين، ضربت قطاع غزة مجاعة مميتة، وتحديدًا خلال عامي 2024 و2025، جرّاء الحصار المشدد الذي فرضه جيش الاحتلال، ومنع إدخال كميات كافية من المساعدات الإغاثية.

ورافق ذلك ارتفاع حاد في أسعار السلع المتوفرة بالأسواق، ما جعل حصول غالبية المواطنين عليها أمرًا صعب المنال، بعدما أفقرتهم الحرب وأفقدتهم مصادر دخلهم.
كما لجأ تجار غزّيون أيضًا إلى احتكار سلع أساسية، عبر شرائها وجمعها من الأسواق ووضعها في مخازن خاصة بهم، وعند اشتداد وطأة الحصار والمجاعة أخرجوها إلى الأسواق بأسعار مضاعفة عشرات المرات.
يتابع أبو الخير حديثه: "التجار يتابعون أخبار المعابر وإدخال البضائع والسلع أكثر من الصحفيين أنفسهم، يعرفون متى يشترون كميات كبيرة من السلع، ويعرفون متى يخرجونها إلى الأسواق".
الشاب خالد سيف الدين (22 عامًا)، من سكان منطقة الصحابة في حي الدرج وسط مدينة غزة، كان بصدد شراء بعض السلع وتخزينها خشية مجاعة أخرى قد تطال المواطنين مرة أخرى، على غرار المجاعة التي شهدها القطاع خلال الحرب.

قال: "كنت أريد شراء بعض السلع، سكرًا ومعلبات وأجبانًا، لكن فوجئت أن المواطنين أقبلوا على شرائها، فيما لجأ تجار إلى إخفائها من محلاتهم".
وأضاف لـ"فلسطين": "يجب على الجهات الحكومية التعامل مع هؤلاء التجار بطريقة تمنعهم من العودة إلى سياسة الاحتكار وإخفاء السلع والتحكم بأسعارها".
ويصف سيف الدين هذا النوع من التجار بأنهم "وجه آخر للحرب، وجزء أساسي من المجاعة التي ضربت غزة. يجب التعامل معهم بقسوة وعدم السماح لهم بالتسبب بمجاعة جديدة".
وحسبما تحدث لـ"فلسطين" مصدر حكومي، فإن وزارة الاقتصاد ترافقها مباحث التموين، نظمتا جولات رقابية على الأسواق والمولات العاملة في القطاع الساحلي للتأكد من انتظام الأسعار رغم إغلاق المعابر، وبعد اكتشاف لجوء تجار إلى رفع الأسعار، تعاملت معهم بالطرق القانونية.
وبينما طمأنت وزارة الاقتصاد المواطنين بتوفر السلع التموينية، أكدت أن حملة ضبط الأسعار في الأسواق المحلية أسفرت عن توقيف عدد من كبار التجار العاملين في بيع السلع الأساسية والمجمدات، جرّاء مخالفتهم القرارات الصادرة بشأن منع الاحتكار ورفع الأسعار، وقد اتخذت الوزارة ضدهم الإجراءات القانونية.
وأول من أمس، أوقفت دائرة مباحث التموين 29 تاجرًا وأغلقت 11 محلًا ومنشأة تجارية بسبب مخالفتها التعليمات الصادرة بشأن منع الاحتكار ورفع الأسعار.

