فلسطين أون لاين

"بادر الصباغ" ثلاث دقائق بين وصوله إلى خيام العودة واستشهاده

...
غزة - نور الدين صالح


دقت الساعة عقاربها عند الثالثة عصرًا من يوم الجمعة الماضي، فاستيقظ الشهيد بادر الصباغ من نومه بلهفة، فنظر حوله في البيت مرة، ثم في "الحارة" مرة أخرى، فلم يجد أحدًا، حينها أيقن أن الجميع توجهوا إلى المشاركة في مسيرة العودة، شرق مخيم جباليا شمال القطاع.

كان من بين المشاركين أخوه محمد، ووالده الذي اصطحب معه أحفاده لتعريفهم الأرض التي اغتصبتها عصابات الاحتلال الصهيونية، صمت قليلًا، فما كان منه إلا أن يلتحق بهم.

انطلق بادر مُسرعًا من بيته الواقع في منطقة الشيخ زايد شمال القطاع، حتى وصل بعد نصف ساعة تقريبًا، إلى خيام العودة السلمية، والتقى شقيقه محمد الذي سبقه عقب صلاة الجمعة، وفق ما يقص محمد لمراسل صحيفة "فلسطين".

ثلاث دقائق فقط مرت بعد وصوله حتى باغتته رصاصة "غادرة" انطلقت من فوهة إحدى بنادق قناصة الاحتلال المتمركزين خلف السياج الفاصل، واستقرت في رأسه، سقط على إثرهًا أرضًا، فما كان من شقيقه محمد إلا أن يحمله إلى المستشفى، هذه هي اللحظات الأولى لإصابة بادر، حسبما يصفها شقيقه.

يقول بصوت حزين: "صعوبة حالة بادر الصحية دفعت الطواقم الطبية لنقله إلى مجمع الشفاء الطبي (...) لم يمضِ بضع ساعات حتى صعدت روحه إلى السماء".

في أرجاء منزل العائلة الصغير المتواضع لا تزال والدة الشهيد (أم هيثم) تستقبل المهنئين بعرس ابنها الشهيد بادر، فمن وسط الجرح والألم اقترب مراسل صحيفة "فلسطين" للحديث إليها.

تبدأ الأم المكلومة (أم هيثم) حديثها بكلمات فخر وعز، وهي تتباهى بأن الله اصطفى ابنها شهيدًا: "أنا أفتخر وأعتز بشهادة بادر، وأنا راضية عنه، الحمد لله".

تنهمر الدموع على وجنتيها، وهي تستحضر آخر المواقف التي جمعتها بابنها بادر: "دايمًا كان مُطيع ويسمع كلامي، حتى إنه قبل يومين قطعت الكهرباء، فناديت على بادر يشتري شمع للبيت".

وتُكمل: "كان دايمًا يروح من شغله، وما يلاقي حدا في البيت، ويطلب ينام جنبي"، وتُشير إلى أن حالة من القلق كانت تساورها في المدة الأخيرة، حينما يتأخر بادر في العودة إلى البيت.

وتروي لحظات تلقيها استشهاد نجلها: "كنت في رفح لتقديم واجب العزاء لأحد أقاربنا، وفي أثناء عودتي كنت أردد: إنا لله وإنا إليه راجعون"، في إشارة إلى عدم إحساسها بالراحة في ذلك الوقت تحديدًا.

وفور وصولها إلى منزلها _حسبما تذكر أم هيثم_ أبلغوها بأن بادر مُصاب، ثم جاء الخبر الأكيد عن استشهاده، حينها تمالكت أعصابها وأخذت تردد: "إنا لله وإنا إليه راجعون، يا رب تصبرني".

تصمت قليلًا لتنتقل إلى الحديث عن لحظات وداعها لنجلها بادر حين أحضروه إلى البيت، فتقول: "بست بادر من جبينه وحكيت له الله يرضى عليك، فشعرت أنه حدق عينيه ونظر إليّ (..) كانت ريحته ما لها وصف".

وتحكي أن بادر طلب منها الاحتفال بذكرى يوم ميلاده التي وافقت الرابع من الشهر الماضي، لكنها لم تنفذ ذلك، حينها شعرت بأن حالة من الحزن أصابته.

وتستدرك: "لكن وعدناه نجيب كيكة ونكتب عليها اسمه يوم ميلاد بنت أخوه في منتصف الشهر الجاري، وبإذن الله راح أوفي وعدي وأجيب كيك وأوزعه على كل الأطفال".

"كان الخبر صعب جدًّا، ولكن ربنا صبرنا، لأن استشهاده بشرف وبرفع الراس، وروحه فدا فلسطين" بهذه الكلمات يبدأ والد الشهيد فايق الصباغ حديثه عن أولى لحظات تلقيه خبر استشهاد نجله.

يصمت الصباغ (وهو في العقد السادس من عمره) قليلًا ثم يلتقط أنفاسه، وأخذ ينقب عن محاسن وصفات نجله: "ولا عمره أغضب حدا ولا زعّل حدا، ومُطيع لإخوانه كتير، وطول عمره ملتزم في شغله بمهنة "البلاط"، ونشيط وشجاع".

يتمالك أعصابه والدموع تنحبس في عينيه، فلا يجد الصباغ سوى الدعاء بالرحمة لنجله الصغير "آخر العنقود" كما يصفه: "الله يرحمه ويرضى عليه ويجعل مثواه الجنة".

في تلك الأثناء كانت حالة الحزن تخيّم على وجوه أشقاء بادر الخمسة، الذين يشاطرون أنفسهم ووالدهم وجع فراق شقيقهم الملقب بـ"آخر العنقود المُدلل".

لكن استشهاد بادر لم يزد الصباغ إلا إصرارًا على المقاومة والتمسك بحق عودته إلى بلدته "سدود" التي يتملك فيها أجداده قرابة 80 دونمًا، يقول: "راح نستمر على طريق بادر لآخر قطرة دم في فلسطين".

ويضيف بعد أن استعاد قوته: "أنا شاركت في خيام العودة، وأخذت معي الأولاد والأحفاد، حتى أعرفهم أن هناك وطنًا لنا احتلته العصابات الصهيونية (...) لازم يكونوا أولادنا عارفين أنه الاحتلال سلب منا أرضنا".

"بادر الصباغ" هو الشهيد الثالث عشر، من بين 17 شهيدًا ارتقوا خلال المواجهات التي اندلعت على طول الحدود الشرقية لمحافظات غزة، عقب انطلاق مسيرات العودة السلمية، في حين أصيب أكثر من 1300 آخرين.