فلسطين أون لاين

​أطفال غزة وكبارها على "أبواب" مدنهم المحتلة: راجعون

...
غزة - نبيل سنونو

كأنما سيدخلون بعد قليل إلى أراضيهم، سيول بشرية لا ترى عين إنسان بدايتها ولا نهايتها تسير نحو حدود غزة المحاصَرة مع فلسطين المحتلة، حتى وإنْ كان جنود الاحتلال يتمترسون خلفها مدججين بأعتى أنواع الأسلحة.

يمدّون أنظارهم إلى تلك المساحات الشاسعة التي يعزلها عنهم سياجٌ احتلالي، وكأنهم يرون مدنهم، وبلداتهم، وقراهم التي هجَّرت العصابات الصهيونية أجدادهم وآباءهم منها سنة 1948، فهنا طفلٌ، وفتى، وشاب، وشيخ، وامرأة، يحتشدون لذات الهدف، وفي نفس الزمان والمكان.

بجماعات يسير الفلسطينيون في غزة، نحو الخيام التي تم نصبها تزامنا مع ذكرى أحداث يوم الأرض التي وقعت عام 1976 عندما صادرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي نحو 21 ألف دونم لتنفيذ مشروع أطلقت عليه "تطوير الجليل" وكان عبارة عن عملية تهويد كاملة للمنطقة.

وقبيل صلاة الجمعة التي تم أداؤها بجانب الخيام، كانت الثلاثينية أم عبيدة هنية تصطحب ثلاثة أطفال هم: عبيدة، محمود، وندى، قائلة لصحيفة "فلسطين"، إنها جاءت إلى هناك "دفاعا عن وطننا، ولنحرر أرضنا، وليرجع كلّ منا لمدينته وبلدته".

لنصب الخيام في هذه المنطقة أهمية، فهي كما تضيف أم عبيدة –التي تنحدر من قرية الجورة- "وسيلة للعودة".

"محمود، ماذا عنك أنت؟"، يجيب الطفل عن هذا السؤال: "حتى نحرر أرضنا ونرجع إلى بلادنا".

"العودة مرتبطة بالجينات الفلسطينية"؛ يتحدث هذه المرة الغزي سعيد عابد، ساعيًا إلى الدلالة على عمق تمسك الشعب الفلسطيني بهذا الحق.

جاء عابد إلى شرق غزة مصطحبا عائلته، وهو ليس من اللاجئين، لكنه يتمسك بكل شبر من بلاده فلسطين، قائلا: "هذه البلاد كلها لنا.. قبل الاحتلال كان أجدادي يذهبون لكل المدن الفلسطينية بسياراتهم ودوابهم".

ويصف المشاركين بمسيرة العودة التي ستستمر على الأقل حتى حلول ذكرى النكبة في 15 مايو/أيار المقبل، بأنهم الأحرار والشرفاء.

ويأمل أن تنتهي مسيرة العودة برجوع الفلسطينيين إلى أراضيهم المحتلة، والصلاة في المسجد الأقصى.

يريد تحقيق نفس الهدف، الثلاثيني يوسف اليازجي الذي كان على بعد مئات الأمتار عن السياج العازل.

يقول لصحيفة "فلسطين"، بينما يقف إلى جواره الأطفال أحمد، ومحمد، وآدم، وحيدر: "يدفعنا إلى المجيء إلى هنا حقنا في العودة إلى فلسطين كلها، وأن نصلي في المسجد الأقصى".

"آدم، ما هدفك من التواجد هنا؟"، يجيب الطفل بكل حسم: "تحرير فلسطين، والمشاركة في مسيرة العودة"، قبل أن يبدي عدم اكتراثه بجنود الاحتلال، وبأسلحتهم الفتاكة.

هل تتوقع أن تحقق هذه المسيرة العودة قريبا؟ يبدي يوسف ثقته التامة بقوله: "ما ذلك على المولى ببعيد".

سيستمر هذا الغزي بالتفاعل في مسيرة العودة، مؤكدا أنه "فداء للوطن".

ويرى أن للمكان الذي تم نصب الخيام فيه رمزية، "فنحن على حدود بلادنا المحتلة، وليعرف العالم أننا لن نخاف الإسرائيليين".

عنف احتلالي مفرط

في الأثناء، كانت قوات الاحتلال تطلق من خلف الكثبان الرملية قنابل الغاز المسيل للدموع، والرصاص الحي على الغزيين العزل، وهو ما يرى فيه امتدادا لسياسات (إسرائيل) التي تمارس الإرهاب بحق الشعب الفلسطيني.

لكن ذلك لم يثن السبعيني علي الدردساوي، عن تحدي الاحتلال، قائلا لصحيفة "فلسطين": "سأرجع لبئر السبع".

يحتفظ الدردساوي، الذي كأنما ترسم تجاعيد وجهه القمحية خريطة فلسطين، بمفتاح تراثي شبيه بذلك الذي كان يمتلكه في بيته ببئر السبع، قبل أن تشرده العصابات الصهيونية.

يضيف: "قصتي (التشريد) كلها مآسٍ بمآسٍ، لكن لا بد من العودة"، مبديًا استخفافه بتهديدات جيش الاحتلال.

"نرجع إلى بلادنا، أو نستشهد بكرامة"، هذه هي القاعدة التي يؤمن بها هذا المسن الفلسطيني المشرد من دياره.

ويصف دونالد ترامب الرئيس الأمريكي بـ"الحقير"، لانحيازه المطلق لكيان الاحتلال الإسرائيلي، واعترافه بالقدس المحتلة "عاصمة" مزعومة للأخير.

وسط هتافات وطنية من قبيل: "راجع يا بلادي"، كانت الأربعينية نجلاء أبو عمشة تسير وسط الجموع.

أبو عمشة، التي تنحدر من قرية "زرنوقة"، تقول لصحيفة "فلسطين": "أهل غزة أهل الكرامة والبطولة، نضحي بأنفسنا وأبنائنا فداء لعدالة قضيتنا".

وإلى جانبها، الطفلة نسمة الهندي التي تدرس في الصف الرابع الابتدائي، جاءت أيضًا لتسقط عبارة رئيسة وزراء الاحتلال السابقة جولدا مائير أن "الكبار يموتون والصغار ينسون"، بقولها: "إلى بلادنا، مهما طال الزمن، راجعون".

كانت هذه إحدى أكبر المسيرات السلمية التي تشهدها المنطقة الحدودية مع فلسطين المحتلة سنة 1948، لكنها ليست نهاية الحكاية التي حتمًا لها بقية، هي العودة.