فلسطين أون لاين

في مخيمات غزة.. غسالة تتحول إلى فرحة لنساء أنهكهن الغسيل اليدوي

...
مشروع لتوفير الغسالات للعائلات النازحة
غزة/ هدى الدلو:

في أحد مخيمات النزوح في غزة، تتجمع نساء أمام مجموعة من الغسالات، يحملن أكوامًا من الملابس التي كن حتى وقت قريب، يغسلنها يدويًا تحت وطأة شح المياه وصعوبة توفيرها، في مشهد يعكس جانبًا من تفاصيل الحياة اليومية التي فرضتها سنوات الحرب والنزوح.

لم تعد الغسالة بالنسبة لهؤلاء النازحات مجرد وسيلة لتوفير الوقت والجهد، بل أصبحت خدمة تخفف عنهن عبئًا منزليًا مضاعفًا، بعدما اضطررن لسنوات إلى غسل ملابس أطفالهن وأسرهن بأيديهن، في ظروف قاسية تتداخل فيها أزمة المياه مع انقطاع الكهرباء وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

ففي مخيمات مصعب بن عمير جنوب مدينة غزة، أُطلق مشروع لتوفير الغسالات للعائلات النازحة، في محاولة لتخفيف واحدة من أكثر المهام اليومية إرهاقًا للنساء. ويستفيد من المشروع سكان تسعة مخيمات تضم نحو 1300 أسرة، فيما جرى توفير ست غسالات تعمل وفق جدول منظم يخصص لكل مخيم يومًا محددًا.

WhatsApp Image 2026-08-27 at 6.54.48 PM (2).jpeg
 

فالسيدة آمنة أبو زور إحدى المستفيدات من المشروع، لم يكن الغسيل بالنسبة لها مجرد مهمة عابرة، بل مصدرًا دائمًا للقلق، خصوصًا مع كثرة عدد أفراد أسرتها والحاجة المتواصلة إلى غسل الملابس.

تقول لصحيفة "فلسطين": "بطلت أحمل همّ الغسيل، لما بدي أغيّر أو أغسل أنا وعائلتي، خلص رميت كل الهموم والقلق ورا ظهري، لأنه صار في غسالة تريحني".

وتصف التحول الذي طرأ على حياتها بعد توفر الغسالة والمياه، قائلة: "شعوري تغير كليًا، خاصة أني بت أعاني من أمراض جلدية بسبب الاستخدام المباشر لأدوية الغسيل، ففي الأول كنت أحمل همّ غسيل الأطفال والكبار في السن، أما الآن صاروا يغيروا وقت ما بدهم، لأنه فيه مي متوفرة وفيه غسالة متوفرة".

WhatsApp Image 2026-08-27 at 6.54.47 PM (3).jpeg
 

أما رندة أبو عيشة، من مخيمات مصعب بن عمير، فتوضح أن المشروع جاء بعد ثلاث سنوات من ظروف قاسية عانت خلالها النساء من الغسيل اليدوي ونقل المياه، خصوصًا في ظل غياب أبسط مقومات الحياة الطبيعية.

وتقول رندة: "مشروع الغسالات هو فعلاً الأول من نوعه الذي يتحقق لنا بعد ثلاث سنين من معاناة الحرب".

فالسيدة كانت قبل الحرب تتوفر لها كل احتياجاتها، لكن في ظل الحرب عانت بشكل كبير من أمراض جلدية وأوجاع في الأعصاب بسبب الغسيل المستمر.

وتشير إلى أن معاناة النساء كانت تتضاعف خلال فصل الشتاء بسبب صعوبة نقل المياه، كما تزداد الحاجة إلى الغسيل خلال الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة وكثرة تغيير الملابس.

WhatsApp Image 2026-08-27 at 6.54.49 PM.jpeg
 

في بداية المشروع، واجهت الفكرة بعض التردد من سكان المخيمات، خصوصًا مع عدم توفر الكهرباء والمياه بشكل مستقر، لكن هذا التردد سرعان ما تبدد بعد تجربة الغسالات، إذ بدأت النساء يلاحظن حجم الوقت والجهد الذي يمكن توفيره.

وتضيف رندة: "في البداية كانوا مترددين، لكن عندما رأوا الغسالات أصبح الإقبال عليها هائلًا، السيدة كانت تأتي بوجبة واحدة لتجرب، وبعدما شعرت بالراحة وفرت عليها الغسالة نقل المياه والعمل الشاق".

ومع ارتفاع درجات الحرارة، ازدادت حاجة الأسر إلى الغسيل، إذ لم تعد حمولة واحدة تكفي بعض العائلات، وأصبحت بعض النساء يغسلن وجبتين أو ثلاثًا خلال فترة قصيرة.

WhatsApp Image 2026-08-27 at 6.54.43 PM.jpeg
 

ويعتمد المشروع نظامًا لتنظيم الأدوار، إذ تستقبل العاملات الملابس وتسجل أسماء المستفيدات بحسب ترتيب وصولهن، ثم تبدأ عملية الغسيل وفق الدور المحدد، ومع حجم الإقبال، قد تضطر العاملات أحيانًا إلى تأجيل جزء من الملابس إلى اليوم التالي لاستكمال الغسيل.

ولا يقتصر أثر المشروع على توفير الجهد، إذ يقدم خدمة بتكلفة منخفضة نسبيًا مقارنة بما تكابده الأسرة عند غسل الكمية نفسها خارج المخيم. ويوضح منير حمودة، من إدارة مخيمات مصعب بن عمير، أن المشروع حدد سعر غسل حمولة تزن ستة كيلوغرامات بأربعة شواكل، في حين قد تصل تكلفة غسل الكمية نفسها إلى نحو 12 شيكلًا خارج المشروع.

ويقول حمودة: "عاملين جدول لست غسالات، كل يوم جدول لمخيم، وهذا المشروع خدمة للعائلات ومساعدة للأسرة، وينجز المشروع من 50 إلى 70 وجبة غسيل في اليوم".

ويضيف: "نساعد الناس في ستة كيلو بأربعة شواكل، وهذا الشيء لاقى إقبالًا من الناس، وهو مشروع يُنفذ لأول مرة بهذا الشكل في قطاع غزة".

ويتابع حمودة: "سنوات الحرب تركت النساء أمام عبء متواصل، بعدما اضطررن إلى غسل الملابس يدويًا، الأمر الذي انعكس، بحسب وصفه، على صحتهن، مع معاناة بعضهن من مشكلات مرتبطة بالأعصاب والجلد".

لكن توفير الغسالات وحده لم يكن كافيًا، في ظل أزمة المياه التي تعيشها المخيمات، ولهذا جرى دعم المشروع بخزان مياه تبلغ سعته نحو عشرة آلاف لتر، إلى جانب مضخة مياه تبرع بها داعمون، لتأمين المياه اللازمة لتشغيل الغسالات.

في مخيمات أنهكتها سنوات الحرب والنزوح، قد تبدو الغسالة للوهلة الأولى مجرد آلة منزلية، لكنها بالنسبة إلى نساء عشن طويلًا مع عبء الغسيل اليدوي تمثل أكثر من ذلك؛ إنها وسيلة لاستعادة جزء صغير من الحياة الطبيعية التي تبدلت تفاصيلها منذ بداية الحرب.

وبين أكوام الملابس وأصوات الغسالات، تحاول النساء استعادة شيء من الوقت والراحة، بعدما استهلكت الحرب كثيرًا من طاقتهن، فالمشروع لا ينهي معاناة النزوح ولا يحل أزمة المياه، لكنه يزيح عن كاهلهن عبئًا يوميًا ظل ملازمًا لهن لسنوات، ويمنحهن مساحة صغيرة لالتقاط الأنفاس وسط واقع قاسٍ.

WhatsApp Image 2026-08-27 at 6.54.44 PM (3).jpeg
 

المصدر / فلسطين أون لاين