فلسطين أون لاين

المنهاج الفلسطيني في مهبّ الهندسة السياسية

المعركة على فلسطين هي معركة على السردية، على الاسم، على المفردة، وعلى ما يُغرس في وعي الطفل قبل أن يتشكّل إدراكه للعالم، فحين تُستهدف الجغرافيا في الكتب، وتُستبدل المصطلحات الوطنية بأخرى محايدة، ويُحذف النشيد الوطني، وتُزال الرموز التاريخية وقضية الأسرى من المتن التعليمي، فإننا لا نكون أمام تحديث تربوي، نحن أمام مشروع إعادة هندسة للوعي تحت لافتة الإصلاح.

التعديلات المرتقبة على المنهاج الفلسطيني للعام 2026/2027 ينبغي تفكيكها ضمن سياق أوسع من سياسات الضبط الرمزي ومحاولات إنتاج طالب منزوع الاشتباك، منزّه عن تاريخه، محايد تجاه قضيته، ومُعاد تشكيله وفق معايير توازنات سياسية خارجية أكثر مما هي استجابة لاحتياجات تعليمية داخلية.

إن أخطر ما في هذه التعديلات هو ما يُعاد تعريفه، فاستبدال المفردة هو فعل إعادة ترميز للهوية، وحين تُشطب أسماء المدن الفلسطينية من الكتب، فإن الجغرافيا تتحوّل من مساحة انتماء إلى فراغ دلالي؛ وحين يُلغى النشيد الوطني، فهذا يعني أنّ رمزاً سيادياً من الذاكرة المدرسية يُقتطع؛ وحين تُغيَّب قضية الأسرى، فإن الوعي يُدفع نحو حالة تطبيع صامت مع واقع القهر.

بهذا المعنى يصبح المنهاج حقلًا للصراع السياسي بامتياز، وتغدو المدرسة ساحةً لإعادة إنتاج سردية مروّضة، لا تصطدم بالاحتلال، ولا تُحرج الممول، ولا تُربك التوازنات الدولية، إنها هندسة سياسية ناعمة تُمارَس عبر أدوات تعليمية، هدفها النهائي إعادة صياغة الوعي الوطني في جيل ما بعد الإبادة، ما بعد الحصار، وما بعد الاستنزاف الطويل.

المنهاج أداة سيادة لا مجرد مادة تعليمية

المنهاج في الحالة الفلسطينية يُمثّل وثيقة سيادية مكتوبة بلغة التربية، فالدولة -حتى حين تكون تحت الاحتلال أو في طور التشكل- تمارس سيادتها أولاً عبر تعريف ما يجب أن يعرفه أبناؤها عن أنفسهم، عن تاريخهم، وعن عدوّهم، ومن هنا يصبح التعليم ركيزة تأسيسية في بناء الهوية الوطنية، وبوصفه مؤسسة لإنتاج الوعي وإعادة إنتاجه عبر الأجيال.

المنهاج هو المساحة التي تُصاغ فيها الرواية الرسمية للذات الوطنية، إنه العقد غير المعلن بين المجتمع وأطفاله، هذا تاريخك، هذه جغرافيتك، هؤلاء شهداؤك، وهذه معركتك الأخلاقية، وحين يُعاد العبث بهذا العقد، فإن المسألة تمسّ جوهر السيادة الرمزية؛ أي حق الشعب في تسمية ذاته وتوصيف واقعه وتحديد موقعه في التاريخ.

في السياقات الاستعمارية، تُستهدف المناهج تحديداً لأنها تمثل الحصن الأخير لتاريخ الشعب، فالمحتل قد يسيطر على الأرض، لكنه يدرك أن السيطرة المستدامة تمر عبر تفكيك البنية المعرفية التي تُنتج المقاومة، لذلك تصبح المدرسة ساحةً صامتة للصراع، صراع على المفردة، على الخريطة، على الصورة المرافقة للنص، ومن هنا لا يمكن التعامل مع التعديلات المرتقبة بوصفها تحسيناً تقنياً، إننا أمام محاولة لإعادة تعريف ما يعنيه أن تكون طالباً فلسطينياً، هل أنت حامل لذاكرة حيّة، أم مجرد متلقٍ لخطاب منزوع الحدّة، مصمم بعناية لئلا يربك التوازنات السياسية؟

إعادة إنتاج الخطاب المدرسي

يُقدَّم الحياد في الخطاب الرسمي بوصفه قيمة تربوية عليا، وكأن المدرسة ينبغي أن تكون معقمة من السياسة، غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية، أنّه لا حياد في بيئة غير محايدة، فالطالب الفلسطيني يعيش في واقع احتلالي يومي، حيث السياسة شرطاً وجودياً، في مثل هذا السياق يصبح الحديث عن الحياد أقرب إلى إعادة تعريف للواقع لا إلى وصفه.

 مفهوم الحياد يكشف أنه في كثير من الأحيان انحياز ضمني إلى الطرف الأقوى، حين تُستبدل مفردات المقاومة بمصطلحات ملساء مثل النزاع أو التوتر، فالكلمات ليست أوعية فارغة؛ إنها حوامل دلالية تُحدد موقع الفاعل والضحية، وهنا يتبدّى ما يمكن تسميته بسياسة التنعيم الخطابي، وهي نقل المفردة من حقلها التحريري إلى حقل لغوي منزوع الاشتباك.

بهذا المعنى، يتحول الحياد من قيمة تربوية إلى آلية ضبط، إنه أداة لإنتاج طالب لا يُصادم، لا يُسائل السياسة القائمة، ولا يرى في نفسه امتداداً لمسار نضالي، إنها عملية إعادة إنتاج للخطاب المدرسي بحيث يُصبح أكثر توافقاً مع اشتراطات الممول ومعايير السلاموية الدولية، وأقل تعبيراً عن المزاج الوطني التحريري

محو الرموز وإعادة تشكيل الذاكرة

إذا كانت المفردة تُعيد تشكيل المعنى، فإن الرمز يُعيد تشكيل الشعور بالانتماء، وحذف النشيد الوطني من الكتب هو إقصاء لعلامة سيادية تختزل فكرة الوطن في لحن وكلمات، النشيد يُمثّل طقس يُرسّخ فكرة الجماعة المتخيلة؛ وحين يُزال من المتن التعليمي، فإن الرسالة الضمنية تقول إن الرمز قابل للتفاوض، وإن السيادة يمكن تجزئتها.

أما شطب أسماء المدن الفلسطينية من الكتب، فهو فعل يتجاوز الجغرافيا إلى تفريغ المكان من معناه السياسي، فالمدينة على الخريطة تُعتبر حاملة لذاكرة النكبة والتهجير والصمود، وحذف الاسم يعني تقليص الذاكرة إلى إطار عام مبهم، وتحويل الجغرافيا من فضاء انتماء إلى حيّز محايد بلا تاريخ، إنها عملية إعادة هندسة للخرائط الذهنية لدى الطالب، بحيث تتآكل العلاقة العضوية بين الاسم والمكان والحق.

وتغييب قضية الأسرى يندرج في السياق ذاته، من إعادة تعريف قواعد المواجهة أخلاقياً وتاريخياً، فالأسرى في السردية الوطنية هم رمز لاستمرارية المواجهة وتكلفة الحرية، وحذفهم من المنهاج يعني إعادة صياغة المعادلة الأخلاقية للمواجهة، بحيث يُختزل في خلاف سياسي قابل للإدارة، لا في قضية تحرير ذات أبعاد إنسانية وقانونية عميقة.

بهذه الخطوات المتدرجة -حذف النشيد، شطب المدن، تغييب الأسرى- يجري العمل على تفكيك الذاكرة عبر أدوات تعليمية، إنها مسار بطيء من التآكل، حيث يُعاد تشكيل وعي الجيل الجديد ليصبح أقل اتصالاً بروايته التاريخية، وأكثر استعداداً لتلقّي سردية مُعاد توازنها سياسياً.

وهنا تتجلى خطورة اللحظة، فالمنهاج يُعاد تصميمه كمساحة لإدارة الوعي، لا لتعزيزه، وفي هذا الفارق الدقيق يكمن جوهر الهندسة السياسية التي تهبّ اليوم على التعليم الفلسطيني.

الضغوط الدولية والهندسة المشروطة

لا يمكن قراءة التعديلات المقترحة على المنهاج الفلسطيني بمعزل عن بنية التمويل التي تحكم قطاع التعليم، فالنظام التعليمي في فلسطين يعمل في بيئة اعتماد مالي خارجي كثيف، سواء عبر المانحين الدوليين أو الوكالات متعددة الأطراف، وهنا يظهر ما يمكن تسميته بالهندسة المشروطة، حيث يُعاد توجيه المضامين بما يتوافق مع تصورات سياسية بعينها.

التمويل المشروط يأتي غالباً في شكل معايير، تقارير تقييم، اشتراطات الامتثال، ومفردات مثل منع التحريض وتعزيز ثقافة السلام، وهذه العناوين تبدو إنسانية في ظاهرها، لكنها تُستخدم أحياناً لإعادة ضبط السردية الوطنية داخل الكتب المدرسية، وقد شهدت السنوات الماضية سجالات متكررة حول المناهج الفلسطينية في تقارير صادرة عن مؤسسات أوروبية، تم فيها ربط استمرار الدعم المالي بمدى مواءمة المضامين مع رؤى سياسية محددة.

إن العلاقة بين ما يُسمى بالإصلاح ومتطلبات البيئة السياسية ليست علاقة بريئة، ففي لحظات التحول الإقليمي الكبرى، يُعاد فتح ملف المناهج بوصفه مدخلاً لتغيير طويل المدى، فالطالب الذي يتلقى خطاباً منزوع الحدّة اليوم، سيكون مواطناً أقل حساسية تجاه قضايا السيادة غداً، ومن هنا يصبح المنهاج أداة لإعادة هندسة المستقبل السياسي عبر إعادة صياغة الوعي المدرسي في الحاضر.

أثر التعديلات على الجيل الفلسطيني القادم

أخطر ما في هذه التعديلات هو تراكمها البطيء على وعي الجيل القادم، حين يُعاد إنتاج الخطاب المدرسي ليكون محايداً قسرياً، فإن النتيجة المتوقعة هي تكوين طالب منزوع الاشتباك؛ أي طالب يرى الاشتباك بوصفه حدثاً تاريخياً بعيداً، وليس واقعاً سياسياً وأخلاقياً يمسه مباشرة.

في السياق الفلسطيني حيث تشكّل المدرسة إحدى المساحات القليلة المتبقية لإعادة تثبيت الرواية الوطنية في ظل الانقسام والحصار، فإن تفريغ المنهاج من رموزه ومعانيه يُحدث فراغاً في الهوية، هذا الفراغ قد لا يظهر فوراً في شكل رفض أو صدام، لكنه يتجلى تدريجياً في ضعف الانتماء، وفي تآكل الحس بالقضية.

نماذج الواقع تشير إلى أن الأجيال التي تنشأ في بيئات تعليمية منزوع منها البعد الوطني تميل إلى تبني قراءة أكثر فردانية للصراع، حيث تُختزل القضية في معاناة إنسانية مجردة وليس في مشروع تحريري ومع الوقت يتحول الانتماء من رابطة تاريخية سياسية إلى شعور عاطفي هش، قابل للتآكل تحت ضغط الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

المخاطر طويلة المدى تتعلق بالوعي، فحين تُعاد صياغة المفاهيم المركزية، الوطن، المقاومة، الأسر، السيادة داخل النص المدرسي، فإننا أمام عملية إعادة تشكيل للذاكرة المؤسسية، والذاكرة حين تُضعف في المدرسة، يصعب استعادتها لاحقاً في الفضاء العام.

ما بين التطوير المشروع والتفكيك الممنهج

من الضروري التمييز بين تحديث المنهاج بوصفه حاجة تربوية ملحّة، وبين تفريغه من مضمونه الوطني تحت عنوان التطوير، فالتعليم الفلسطيني بحاجة فعلية إلى مراجعات منهجية، من تطوير مهارات التفكير النقدي، وتعزيز التعليم الرقمي، وتحديث طرائق العرض، والمواءمة مع التحولات المعرفية العالمية، غير أن هذه التحديثات لا تستلزم اقتلاع الرموز أو تحييد السردية الوطنية.

التطوير المشروع يهدف إلى رفع جودة التعليم، لا إلى إعادة تعريف الهوية، أما التفكيك الممنهج فيعمل على تقليص حضور العناصر السيادية في النص، وتحويل المنهاج إلى مساحة تعليمية مُدارة سياسياً، والفارق بين الاثنين يكمن في السؤال المركزي: هل يُطوَّر المنهاج لتعزيز الطالب الفلسطيني، أم لإعادة تشكيله بما يتلاءم مع اشتراطات خارجية؟

الإصلاح الحقيقي الذي يحتاجه التعليم الفلسطيني يبدأ من تحصين المنهاج لا من تحييده؛ ومن تمكين الطالب من فهم تاريخه بعمق نقدي، لا من عزله عنه، واستعادة المنهاج كمساحة تحصين تعني إعادة الاعتبار له كوثيقة سيادية، فالمدرسة في الحالة الفلسطينية تُمثّل إحدى منصات تثبيت الوعي في مجتمع يتعرض لمحاولات إعادة تشكيل مستمرة، وبين التطوير والتطويع خيط دقيق، لكن تجاوزه يعني الانتقال من إصلاح التعليم إلى إعادة هندسة الهوية ذاتها.

ليست المشكلة في تعديل درس أو حذف فقرة، المشكلة تكمن في المسار الذي يُدفع إليه الوعي الفلسطيني من داخل المدرسة، فالمنهاج ليس مادة تعليمية بقدر ما هو وعاء للسيادة الرمزية وذاكرة مكتوبة للأجيال، وحين تُدار التعديلات بمنطق القبول الدولي أكثر من منطق الحق الوطني، فإن الخطر يكون على الهوية طويل الأمد.

الهندسة السياسية الأخطر تلك التي تُمارَس عبر المفردة والرمز والخريطة، وبين تطوير يُحصّن الطالب بهويته، وتعديل يُفرغه منها، يقف التعليم الفلسطيني أمام مفترق حاسم، إما أن يبقى حصناً للذاكرة، أو يتحول إلى أداة لإعادة تشكيلها خارج إرادة أصحابها.

المصدر / فلسطين أون لاين