قبل أيام قليلة من حلول شهر رمضان على قطاع غزة المدمر بشكل شبه كامل، لا تنشغل الخيام التعليمية فقط بمراجعة الدروس وتعويض ما فات من مناهج، بل تتحول إلى مساحة تهيئة نفسية وروحية للأطفال، في وقت تعجز فيه كثير من العائلات عن إحياء أي مظهر من مظاهر الاستعداد للشهر داخل خيام النزوح أو البيوت المتضررة.
داخل خيمة تعليمية بالقرب من أحد مخيمات النزوح بمدينة غزة، علّقت المعلمات خيطًا رفيعًا امتد من طرف إلى آخر، تتدلى منه أهلة ونجوم قُصّت من دفاتر قديمة. الهلال غير متناسق الأطراف، والألوان باهتة، لكن الأطفال ينظرون إليه كما لو كان فانوسًا مضيئًا.
طالع المزيد: غرفة تتحدَّى الرُّكام... حكاية معلِّمة أعادت للطُّفولة دفاترها
تقول المعلمة بسمة عدنان: "نعرف أن الأهالي مشغولون بتأمين الطعام والمياه، ولا قدرة لديهم على شراء زينة أو حتى التفكير في أجواء رمضان. لذلك نحاول نحن أن نذكّر الأطفال بأن الشهر سيأتي، وأنه ليس يومًا عاديًا".
وتوضح المعلمة بسمة لصحيفة "فلسطين" أن إدارة الخيمة خصصت فقرة يومية قصيرة للحديث عن فضائل رمضان، وتعليم الأطفال أدعية بسيطة مثل دعاء رؤية الهلال، إلى جانب تنظيم حلقات لتلاوة القرآن تناسب أعمارهم.

“لسنا مدرسة نظامية الآن فقط، نحن مساحة أمان. عندما نجلسهم في حلقة ونبدأ بالقراءة، نلاحظ كيف يهدأ المكان"، تتابع المعلمة.
محمد قاسم ( 11 عامًا)، يجلس في الصف الأمامي ممسكًا بمصحف صغير تبرع به أحد الأهالي. يقول إنه في السنوات الماضية كان يرافق والده إلى السوق قبل رمضان "لنشتري التمر والعصير ونختار فانوسًا جديدًا"، هذا العام، لا يتحدث والده عن السوق.
ويتابع قاسم لـ"فلسطين": "أحب أن آتي إلى هنا لأننا نقرأ القرآن معًا. عندما نعلّق الزينة أشعر أن رمضان سيصل، حتى لو لم نعلّق شيئًا في خيمتنا".
أما ليان عطا الله ( 9 أعوام) فتقول إن والدتها أخبرتها هذا العام أن "الوضع صعب"، وإنهم لن يتمكنوا من شراء زينة أو تحضير أصناف كثيرة للإفطار. تضيف بصوت خافت: "قلت لماما لا بأس، نحن علّقنا زينة في الخيمة. سأعتبرها زينتنا في البيت أيضًا".
المعلمة بسمة تؤكد أن الأطفال في البداية لم يكونوا يتحدثون عن رمضان كثيرًا، وكأنهم فقدوا الإحساس بقربه.
"في كل عام كانوا يعدّون الأيام، يسألون عن أول يوم صيام، ويتنافسون في حفظ السور القصيرة. هذا العام، كان علينا نحن أن نفتح الحديث، أن نسألهم: هل تعرفون أن رمضان اقترب؟".
طالع المزيد: "الواقع الافتراضي".. علاج لأطفال غزة في عالم دون إبادة جماعية
وتتابع: "لاحظنا أن بعض الأطفال ربطوا رمضان بالخوف من الجوع، لأنهم يسمعون حديث الكبار عن قلة الطعام. لذلك نحاول أن نعيد المعنى الروحي للشهر، ونشرح لهم أن الصيام ليس فقط امتناعًا عن الأكل، بل صبر ورحمة ومشاركة".
ضمن الأنشطة، خصصت الخيمة ركنًا صغيرًا سمّاه الأطفال "ركن رمضان"، توضع فيه المصاحف، وأوراق كتبوا عليها نواياهم للشهر، مثل: "سأحفظ سورة جديدة"، أو "سأساعد أمي". هذه التفاصيل البسيطة، بحسب المعلمة، تصنع فارقًا نفسيًا واضحًا.
"عندما ينشغل الطفل بقصّ نجمة أو كتابة دعاء، فهو يستعيد جزءًا من طفولته التي سُلبت منه"، تقول بسمة، مضيفة أن الهدف ليس تعويض الزينة المفقودة فحسب، بل تعويض الشعور بأن الحياة تسير في مسارها الطبيعي.
في الخارج، لا شيء يشير إلى اقتراب موسم مختلف. الخيام متلاصقة، والهموم اليومية أكبر من أي استعداد احتفالي. لكن داخل خيمة تعليمية بسيطة، يجلس أطفال في حلقة، يتلون آيات قصيرة ويرددون خلف معلمتهم دعاء استقبال الشهر.
قد لا تملك عائلاتهم ما تعلّقه على جدران خيامها، لكنهم علّقوا في داخلهم انتظارًا صغيرًا، صنعته خيمة قررت أن تُذكّرهم بأن رمضان… ما زال يأتي.

