أمام المقر الرئيس لشركة "جوال" بمدينة غزة، لم تكن الهتافات مجرد أصوات عابرة، بل كانت صرخات استغاثة ممزوجة بالألم والقهر. هناك، حيث اجتمع عشرات الموظفين المفصولين من الشركة، برفقة عائلاتهم وأطفالهم، في وقفة سلمية غلب عليها الطابع الإنساني، للتنديد بقرار فصلهم الذي يصفونه بـ"التعسفي" والمطالبة بحقوقهم القانونية.
ورفع المشاركون لافتات خطت عليها عبارات "قطع الأرزاق من قطع الأعناق"، و"أين المسؤولية الاجتماعية يا شركة الاتصالات؟"، وسط مشاركة لافتة من حقوقيين وقانونيين أكدوا أن قضية هؤلاء الموظفين تمثل اختبارا حقيقيا لمدى احترام كبرى الشركات الفلسطينية للقانون والعدالة الاجتماعية.

بملامح يكسوها التعب، تحدث أسامة ضاهر، الموظف السابق في قسم التحصيل وأحد المتضررين من قرار الفصل، بلسان زملائه قائلا: "نحن لا نطلب المستحيل، نحن نبحث عن عدالة بسيطة، لقد كنا لسنوات جزءا لا يتجزأ من نجاح هذه الشركة وتطورها، واليوم نجد أنفسنا خارجها بلا سابق إنذار".
وأضاف ضاهر: "نحن على أعتاب شهر رمضان المبارك، الشهر الذي يتطلب التراحم لا التشريد، ندعو الشركة للإنصاف والتراجع الفوري عن قرار الفصل وإعادة حقوقنا كاملة، لن تسقط حقوقنا بالتقادم، وتحركاتنا السلمية ستتوسع بكافة الوسائل المشروعة حتى نيل العدالة".
وتابع: "إن ما يحدث ليس مجرد قرار إداري، بل هو حكم بالإعدام البطيء على خمسين أسرة، كيف يمكن لشركة تجني الملايين وتتغنى بالمسؤولية المجتمعية أن تستغني عن جنودها في وقت الحرب؟ إننا نناشد الضمائر الحية في مجلس الإدارة بالتدخل الفوري، فنحن لسنا أرقاما في كشوفات الحسابات، نحن بشر لنا كرامة ولنا حقوق كفلها لنا القانون الفلسطيني قبل كل شيء".

من جانبه، وصف المستشار القانوني في مركز الديمقراطية وحقوق العاملين، علي الجرجاوي، هذه الخطوة المتمثلة بالفصل بـ"الخطيرة"، معتبرا إياها في العرف القانوني ما وصفها "جريمة" ترتكب بحق 50 أسرة فلسطينية في واحدة من أصعب الفترات التي يمر بها قطاع غزة.
وقال الجرجاوي خلال الوقفة: "ندين ونستنكر فصل هؤلاء الموظفين في ظل حالة النزوح والتشرد وحياة الخيام التي يعيشها الغزيون، من الغريب جدا أن تدير الشركة ظهرها لهؤلاء الموظفين وترفض سماع همومهم"، وفق تعبيره.
وفي سياق التحليل القانوني لهذا الإجراء، أوضح الجرجاوي أن قانون العمل الفلسطيني وضع محددات واضحة لإنهاء خدمات الموظفين، ولا يمكن التذرع بالظروف الاستثنائية للالتفاف على هذه الحقوق، بل إن الظروف الراهنة تفرض على الشركات واجبات أخلاقية وقانونية مضاعفة تجاه حماية السلم الوظيفي".

وأضاف محذرا: "إن الاستفراد بالموظفين في هذا التوقيت بالذات يبعث برسالة سلبية لبقية العاملين في القطاع الخاص، ويؤدي إلى تآكل الثقة في المنظومة العمالية الوطنية، نحن في مركز الديمقراطية وحقوق العاملين نؤكد أننا لن نقف مكتوفي الأيدي، وسندعم هؤلاء الموظفين في كافة المحافل القانونية والقضائية، فالحق لا يموت ما دام وراءه مطالب، وقوة القانون يجب أن تكون فوق سطوة رأس المال، خاصة في ظل الكوارث الإنسانية التي يعيشها شعبنا".
ودعا الجرجاوي إدارة الشركة إلى فتح حوار اجتماعي جاد وفوري، والعمل على تحرير الحقوق المادية والمعنوية للموظفين، والعدول عن هذا القرار الذي يمس بالأمن المجتمعي والوظيفي لعشرات العائلات.
ولم تغب عائلات الموظفين عن المشهد، حيث شارك الأطفال برفع لافتات منددة بفصل آبائهم، في رسالة صامتة تعبر عن حجم الضرر النفسي والمادي الذي لحق بهم.
وشدد المشاركون في ختام وقفتهم على مطالبة كافة الجهات الرسمية والحقوقية بالضغط على شركة الاتصالات للوفاء بالتزاماتها الأخلاقية والقانونية تجاه أبنائها الذين خدموها لسنوات طويلة.


