في شمال غزة لم يكن بقاء الدكتور حسام ابو صفية داخل مستشفى كمال عدوان مجرد قرار مهني، بل موقف سياسي واخلاقي في لحظة كانت فيها الابادة تتحول الى "روتين" يومي، وحين كان النزوح القسري يسوق بوصفه حلا انسانيا، حينها اختار طبيب الاطفال ان يبقى مع مرضاه، محاصر معهم بالجوع والعتمة والنار، رافضا ترك الأطفال خلفه، الا عبر ممر آمن، ذلك الثبات لم يكن بطولة استعراضية، بل عنادا إنسانيا، حطم الصورة التي حاول الاحتلال تسويقها عن غزة، كمسرح عسكري خال من البشر، وحول المستشفى من هدف يمكن تبرير استهدافه الى شاهد حي لا يمكن اسكاته.
منذ تلك اللحظة لم يعد ابو صفية طبيبا عاديا، بل صار وجه غزة الذي يرفض ان يتوارى خلف الدمار، وضميرا مهنيا يقف في مواجهة الدبابة، ورمز غير قابل للاحتواء او التحييد، فكان الخيار تفكيك الرمز وتشويه صورته بدل مواجهته، نزع الشرعية وإعادة تعريفه لا كطبيب، بل مشتبه به في سياق امني مصطنع، فنشر صورة قديمة له اثناء عمله في الخدمات الطبية العسكرية ومحاولة تقديمها كقرينة ادانة، فالاتهام بالانتماء ليس سوى اداة كلاسيكية في استراتيجية زرع الشك، فحين تفشل القوة في اسكات الرواية تحاول تلويث أصحابها.
ما جعل ابو صفية خطرا ليس فقط بقاؤه تحت النار، بل انتقال صوته الى الفضاء، ومقاليه اللذين نشرا في كبرى الصحف الغربية، نيويورك تايمز، خلال اشهر الحرب الاولى، بصفته طبيب اطفال لا سياسيا او ناطقا او ناشطا، وصف موت الرضع وانقطاع التيار الكهربائي وانهيار الحضانات والنظام الصحي وثقل القرارات الطبية المستحيلة، تلك اللغة الباردة الدقيقة اسقطت خطاب الامن والدفاع، ووضعت القارئ الغربي امام نتائج ملموسة لسياسات لا يمكن تجميلها، وهنا تكمن الرمزية، فهو لم يخاطب الضمير عبر الشعار، بل عبر التشخيص الطبي.
تلك الكلمات الباردة ظاهريا اسقطت خطابات الامن، ووضعت القارئ الغربي وجها لوجه امام نتائج سياسات لا يمكن تجميلها او تبريرها، وهنا تكمن رمزيته، فلم يخاطب العالم بالشعارات، بل بأجساد هشة انهكها الجوع، فباتت تتأرجح بين الحياة والموت، شهادته اربكت جيشا وكسرت ثنائية "مدني/مقاتل" التي شكلت محور روايته الامنية، واعادت المستشفى من درع بشري - كما كان يزعم - الى مسرح جريمة موثقة، لذا كان لا بد من ضرب الرمز، التشويه ثم الاعتقال ثم الاهمال الطبي الموثق، والذي بات جزء من القلق الحقيقي على حياته، تقارير حقوقية اسرائيلية تحدثت عن تدهور وضعه الصحي، وفقدانه الوزن، وحرمانه من العلاج ، تقارير لا يمكن فصلها عن نمط معروف في ادارة الاعتقال القسري، حيث يتحول الجسد الى ساحة ضغط تمهد لرواية الموت الطبيعي.
المفارقة ان هذا جرى في وقت كشفت فيه المؤسسات الحقوقية ذاتها عن تورط اطباء اسرائيليين في التعذيب المنهجي للأسرى الفلسطينيين، اما من خلال اختبارات تحدد قدرة الجسد على التحمل او عبر تقارير طبية تخفي اثار التعذيب و اسباب الوفاة، وقبل ذلك استهدف الاحتلال الصحفيين الفلسطينيين لذات الذريعة، بينما كان يظهر الصحفيون الاسرائيليون باللباس العسكري، يرافقون وحدات الجيش ويروجون لروايته، دون ان يعد هذا او ذاك خرقا للقواعد المهنية، او سببا للمساءلة ناهيك عن اي تورط ، ما يكشف عن ازدواجية كاملة، فاللباس ليس مشكلة الا حين يرتديه الفلسطيني، والمهنة لا تحمي صاحبها الا اذا كان في صف القوة الباطشة.
جذور هذه الظاهرة تعود لمنطق استعماري قديم، ينزع الانسانية عن الضحية، ويمنح الجلاد "حق" تعريف الاخلاق، واليوم تتجسد هذه البنية بوضوح في استهداف طبيب اطفال لأنه رفض الصمت، واصر على ان يبقى شاهدا، والحل لا يقتصر على التعاطف وحده، بل بتدويل قضية حماية الطواقم الطبية، ومساءلة المؤسسات الاعلامية التي تعيد انتاج الرواية العسكرية باسم المهنية، لان معركة ابو صفية ليست قصة فردية، بل معركة على معنى الإنسانية في زمن الابادة.

