فلسطين أون لاين

تقرير قرب "الخط الأصفر".. صحفي من غزة يفطر على دويّ المدافع ويتسحّر على القلق

...
يقضي الصحفي رمضان أبو سكران (32 عامًا) أيام شهر رمضان داخل خيمة تؤويه مع 12 فردًا من عائلته
غزة/ هدى الدلو:

على مقربة من ما يُعرف بـ“الخط الأصفر” شرق مدينة غزة، يقضي الصحفي رمضان أبو سكران (32 عامًا) أيام شهر رمضان داخل خيمة تؤويه مع 12 فردًا من عائلته، في ظروف قاسية لا تقي حرّ النهار ولا برد الليل، وتبقيهم على تماس دائم مع أصوات القصف والتحليق العسكري.

يقول أبو سكران، لصحيفة “فلسطين”، إن الحياة في تلك المنطقة لم تعرف الهدوء منذ أشهر، مضيفًا: “قذائف دبابات، وطائرات حربية واستطلاع، وقنابل إنارة، وعمليات تمشيط وإطلاق نار متواصل… نعيش وسط كل هذا، ونحاول إقناع أطفالنا بأن الأمور ستكون بخير”.

طالع المزيد: تحت النار الدائمة... يوميات العيش قرب الخط الأصفر في غزة

ويشير إلى أن شهر رمضان، الذي يُفترض أن يكون موسم طمأنينة وعبادة، تحوّل إلى مساحة إضافية للترقب والخوف. ويضيف بنبرة يختلط فيها الأسى بالسخرية: “مدفع رمضان بالنسبة لنا أصبح المدفع الإسرائيلي، فقذائفه لا تتوقف عند وقت السحور أو الإفطار”، موضحًا أن أطفاله باتوا يربطون موعد الإفطار بدويّ الانفجارات بدلًا من المدفع التقليدي.

ويؤكد أن الحرب حرمت العائلات من أبسط الطقوس الرمضانية؛ فلا مسحراتي يجوب المكان، إذ إن الحركة بعد أذان المغرب محفوفة بالمخاطر، كما أصبحت صلاة التراويح في المسجد أمنية مؤجلة. “نتمنى أن نصلي التراويح جماعة، لكن الطريق غير آمن، والليل أكثر خطورة”، يقول.

حتى وجبة السحور تحمل تحدياتها الخاصة؛ فإشعال نار لإعداد كوب شاي قد يعرّضهم للخطر. ويوضح: “نخشى إضاءة كشاف الهاتف لإشعال النار، فأي ضوء قد يلفت الانتباه”. وفي أحيان كثيرة، لا يستطيع الخروج لإيقاظ والدته وشقيقته في الخيمة المجاورة بسبب تحليق طائرات الاستطلاع المسيّرة. “أسمع صوت الطائرة فوقنا، فأبقى في مكاني، وأكتفي بالاتصال إن توفرت شبكة، أو أنتظر حتى يهدأ التحليق”، يضيف.

طالع المزيد: عائلة أبو قمر تختار البقاء قرب “الخط الأصفر” في خانيونس

كونه صحفيًا يزيد من تعقيد يومياته؛ إذ يضطر أحيانًا للمبيت خارج الخيمة لعدم تمكنه من العودة ليلًا. “التحرك بعد المغرب مخاطرة، لذلك أبقى أحيانًا قرب مكان العمل حتى الصباح”، لكنه يحرص على تنظيم مهامه نهارًا ليحافظ على وجوده مع أسرته ساعة الإفطار، واصفًا تلك اللحظة بأنها “ما تبقّى من شكل الحياة الطبيعي”.

هذا العام، تغيب عن مائدة رمضان وجوه عزيزة؛ فقد استشهد والده وشقيقه خلال الحرب. يقول بصوت خافت: “كنا نجلس جميعًا، واليوم هناك فراغ على المائدة لا يملؤه شيء”. كما يفتقد زملاء صحفيين شاركوه تغطية الأحداث وأيام النزوح، مضيفًا: “تقاسمنا الخبز والخطر، ولم يعودوا بيننا”.

أطفال الخيمة تعلّموا ما لا يتعلمه أقرانهم في أماكن أخرى؛ يميّزون بين أزيز الطائرة وصوت المدفع، وبين الانفجار البعيد والقريب. ابنته الصغرى، ذات الأعوام السبعة، تحاول أحيانًا كسر الخوف بالمزاح، فيقول مبتسمًا رغم الألم: “أحيانًا يمرّ الإفطار بهدوء نسبي، فتقول: يبدو أنهم نائمون اليوم!”. ثم يضيف: “حتى صوت إطلاق النار بات بالنسبة لها علامة على التوقيت”.

طالع المزيد: رمضان على حدود الخطر… عائلة بربخ تعيش بين الخوف والوجع قرب "الخط الأصفر"

ويرى أبو سكران أن وتيرة الاستهداف تتصاعد في شهر رمضان، معتبرًا أن المدنيين يُحرمون حتى من لحظات السكينة القليلة. “بدل أن يكون شهر رحمة، يتحول إلى شهر تصعيد”، يقول.

ورغم كل ذلك، لا يتخلى عن كاميرته. “واجبي أن أنقل الصورة، فأنا أعيش ما أُصوّر”. لكنه حين يعود إلى خيمته، يترك صفة المراسل عند الباب، ويجلس أبًا بين أطفاله، يحدثهم عن أيام أكثر أمانًا، وعن مسجد سيصلّون فيه التراويح دون خوف، وعن مسحراتي سيوقظهم ذات فجر بلا صوت طائرة يسبقه.

ويختم حديثه: “لسنا أرقامًا في نشرات الأخبار، نحن عائلة من 13 فردًا نحاول أن نعيش رمضان بما تبقى لنا من صبر. قد يُحرمنا القصف من الشاي، ومن التراويح، ومن المسحراتي… لكنه لن يسلبنا الأمل”.
 

المصدر / فلسطين أون لاين