ليست المشكلة في أن يطمح الفلسطينيون إلى دستور، بل في أن يُكتب هذا الدستور في لحظة لم تحسم فيها الكثير من القضايا وفي مقدمتها أسئلة التحرر والسيادة والتمثيل، فالدساتير، في تجارب الشعوب، لم تولد من فراغ قانوني، بل من لحظة تاريخية جامعة، او بلغة اخرى حين تشعر الامة انها انجزت انتقالها من واقع السيطرة الى افق السيادة، اما حين يسبق النص هذه اللحظة، يصبح اقرب الى اعلان نيات منه الى عقد اجتماعي حقيقي وقابل للحياة.
بالنظر الى الديباجة المقترحة في مقدمة الدستور سنجد انها تنطلق من سردية دولة قيد التشكل، وتتحدث عن انتقال ديمقراطي، وصناديق اقتراع، وتجديد للعقد الاجتماعي، بينما الواقع الفلسطيني يقول شيئا اخر تماما، من جغرافيا ممزقة، الى سلطة بلا سيادة، واحتلال يتحكم بالحدود والحركة، وفوق ذلك كله انقسام سياسي عميق، حتى ان الجيل الموجود اليوم لا يذكر انه شهد مثل هذه اللحظات كغيره من الشباب حول العالم، وبالتالي، هنا لا يصف النص واقعا قائما، بل يحاول كتابته مسبقا او تخيله.
ثم إن الأخطر أن الديباجة تفترض اجماعا فلسطينيا لم يتحقق اصلا، فالحديث عن مشاركة واسعة للداخل والشتات، او عن حوار شعبي شامل، كل ذلك لا يستند الى عملية جمعية موثقة، فكما أنه لم تُفتح مسارات وطنية عميقة لصياغة عقد اجتماعي جديد، ولم تُشرك المخيمات وغزة والقوى الحية في المجتمع في نقاش تأسيسي مفتوح، فان ما جرى لا يتعدى كونه مشاورات نخبوية محدودة، اعيد تقديمها لاحقا على انها اجماع وطني، وهنا تحديدا تكمن المعضلة الاساسية، فالدستور لا يستمد شرعيته من لغته، ولا من جمال كلماته، ولا من عناية انتقاء مصطلحاته، بل يستمدها، بالدرجة الاولى، من الطريقة التي يولد بها، ومن السياق السياسي والتاريخي الذي يلازمه.
ثم هناك مسألة الهوية، فالديباجة تصوغ هوية وطنية مكتملة، بل ومثالية، دولة ديمقراطية، تعددية، محبة للسلام، تحترم الحقوق وتكرس المساواة، لكنها تقفز فوق واقع الانقسام وتعدد المرجعيات واختلاف تصورات الفلسطينيين انفسهم حول معنى التحرر وحدوده وشكل الدولة، فالهوية الوطنية لا تستخرج من ديباجة، ولا تقر بقرار لجنة، لأنها نتاج اشتباك اجتماعي وسياسي طويل، وصراع مفتوح على الرواية والمعنى والمستقبل.
ثم تأتي إشكالية "الدستور المؤقت"، لتضاعف المأزق، فالتجارب العالمية تظهر ان الدساتير الانتقالية لم تنجح الا حين جاءت بعد سقوط انظمة او كانت نتاج تحقق حد ادنى من السيادة والتوافق الوطني، اما تلك التي كتبت تحت الاحتلال او في ظل انقسام عميق، فتحولت الى ادوات ادارة ازمات لا جسورا نحو التحرر، وفي الحالة الفلسطينية، حيث الاحتلال قائم والسيادة غائبة والاجماع مكسور، يصبح الدستور المؤقت مخاطرة سياسية اضافية، لا بداية مسار تأسيسي.
والأكثر فداحة أن تأتي هذه الديباجة بعد عدوان شامل على غزة، طال البشر والشجر والحجر، دون ان تشير اليها او الى حجم التضحيات والدمار، كأن النص كتب في فراغ، ولم يكن ذلك في قلب لحظة وطنية دامية، هذا التجاهل ليس تفصيلا تحريريا، وهذا يعكس رغبة في انتاج وثيقة قابلة للتسويق الدولي أولا، لا تعبيرا صادقا عن واقع شعب يعيش واحدة من اقسى محطات تاريخه، وهذا تحديدا يصيب فكرة الدستور في مقتل، لان وجهة الدستور الداخل وليس الخارج.
ثم يضاف الى ذلك الارتهان المتكرر لما يسمى "الشرعية الدولية"، رغم ان هذه المنظومة اثبتت عجزها البنيوي عن ردع العدوان، وبالتالي فان استدعاء هذه المرجعية دون مساءلتها عن تقصيرها وقصورها، يعيد انتاج منطق انتظار العدالة من الخارج، وينقل مركز القرار من الفعل الوطني الى الممرات الدبلوماسية مرة أخرى، بعد كل هذه التجربة الطويلة والمريرة.
في الختام، من الواجب التذكير ان الاشكالية ليست قانونية بل سياسية بامتياز، فالدستور لا يمكن ان يكون بديلا عن التحرر، ولا يمكن ان يكون غطاء لإدارة واقع مفروض بالقوة، فقبل كتابة القواعد، يجب الاتفاق على الهدف، وقبل صياغة العقد الاجتماعي، يجب ان تتشكل الجماعة السياسية على قاعدة مشروع وطني واضح، فالدساتير التي تعمر هي تلك التي تولد من رحم التضحيات والاجماع، لا تلك التي تكتب فوق رمل متحرك، ففلسطين اليوم لا تحتاج نصا جديدا بقدر ما تحتاج استعادة بوصلتها، فالدولة لا تخلق بالحبر، بل بالدماء والتضحيات.

