حين يكرر ترامب كلمة "الأشرار" في حديثه المتكرر عن إيران، فالمسألة هنا ليست زلة لسان، ولا مجرد مبالغة تخدم خطابا انتخابيا، بل نحن أمام كلمة تؤدي وظيفة سياسية واضحة، بل وظيفة استعمارية قديمة بلباس جديد، فالاستعمار في صيغته الكلاسيكية كان يحتاج الى خرائط وبوارج بحرية، اما الاستعمار الجديد فيحتاج قبل كل شيء الى سردية.
في القرن التاسع عشر كانت الإمبراطوريات الاستعمارية تبرر تمددها بأنها تحمل "التحضر" إلى شعوب "متخلفة"، هذه اللغة لم تعد مقنعة اليوم، ولذلك اختفت من الخطاب العلني، لكن اختفاء الكلمات لا يعني اختفاء المنطق، فبدل القول "نحن المتحضرون وهم المتخلفون"، اصبح الخطاب ابسط واكثر حدة "نحن الاخيار وهم الاشرار"، الجوهر واحد، وهو تجريد الآخر من الشرعية الاخلاقية، بحيث يصبح اخضاعه عملا مقبول، بل مبررا وواجبا.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تشكل نظام دولي جديد قام، ولو شكليا، على فكرة التعددية، وتأسست الامم المتحدة، وظهرت قواعد القانون الدولي، وترسخ مبدأ سيادة الدول، كما نشأ نظام من التوازنات يحد من الانفراد الكامل بالقوة، لم يكن هذا النظام عادلا، لكنه حاول على الاقل ان يضع القوة داخل اطار من القواعد.
غير ان خطاب ترامب تعامل مع هذا النظام باعتباره عبئا لا اطارا منظما للعلاقات الدولية، وحين انسحب من الاتفاق النووي مع ايران لم يكن ينسحب من اتفاق محدد فحسب، بل كان يبعث برسالة اوسع، الاتفاقات متعددة الاطراف ليست ملزمة اذا لم تخدم مصلحة القوة العظمى، والتوافق الدولي يفقد قيمته عندما يتعارض مع الارادة الامريكية.
هذه ليست مجرد سياسة خارجية مختلفة، بل اعادة تعريف لقواعد اللعبة نفسها، انها انتقال واضح من هيمنة تعمل عبر المؤسسات إلى هيمنة صريحة لا تتكلف كثيرا بإخفاء منطق القوة.
سابقا كانت الولايات المتحدة تمارس نفوذها عبر شبكة واسعة من المؤسسات الدولية، من صندوق النقد الدولي الى البنك الدولي، مرورا بمجلس الامن والتحالفات العسكرية، كانت الهيمنة موجودة بالفعل، لكنها مغلفة بلغة القانون والشرعية الدولية، اما اليوم فقد سقط جزء كبير من هذا الغلاف، وباتت الرسالة اكثر مباشرة؛ نحن من يقرر، ومن يعترض يصبح خصما، وتوصيف ايران بـ"الشر" يخدم هذا التحول.
هنا تأتي وظيفة كلمة "الاشرار"، حين توصف دولة بانها شريرة، فانها تخرج عمليا من دائرة الشراكة السياسية داخل النظام الدولي، وتصبح خارج الاطار، وبالتالي خارج القواعد، فلا يعود هناك مجال لمفاوضات متكافئة او اعتراف متبادل بالمصالح، ويبقى خياران فقط؛ الاملاء او العقاب، منطق استعماري لا يرى في الآخر طرفا مساويا يمكن التفاوض معه، بل موضوعا للادارة او الردع او الاخضاع.
المشكلة ان هذا الخطاب لا يقتصر على ايران، انه يعيد تعريف طبيعة العلاقات الدولية نفسها والنظام الذي قام على فكرة الحد من احتمالات الحرب الشاملة عبر مؤسسات وضوابط وقواعد مشتركة، اما خطاب "الاشرار" فيعيد العالم إلى منطق اقدم؛ منطق القوة المجردة والتحالفات الظرفية، او الصفقات الثنائية بدل الاطر الجماعية، بهذا المعنى، لم يخرق ترامب النظام الدولي فحسب، بل ضرب الفلسفة التي قام عليها.
بالنسبة لدول الجنوب العالمي، لا يبدو هذا التحول تفصيلا عابرا، فخطاب الشر المطلق يفتح الباب لتبرير كل شيء؛ العقوبات الشاملة، الحصار الاقتصادي، التدخل العسكري، وحتى الحروب، وحين يتحول الخصم إلى تجسيد للشر، لا يعود التعامل معه مسألة سياسة بل مسألة تطهير.
هنا تتقاطع الشعبوية الداخلية مع الامبريالية الخارجية، في الداخل يحتاج الخطاب الشعبوي الى عدو يوحد الشارع، وفي الخارج يحتاج خصم دائم و خطر داهم يبرر استمرار التفوق العسكري والانفاق الهائل وتسليح الحلفاء، كلمة واحدة تختصر كل ذلك، "الأشرار" واليوم ايران.
قد تكون لايران سياسات توسعية في الاقليم، ومشروع نفوذ، وهذا يمكن نقده وتحليله، غير ان تحويل دولة كاملة الى تجسيد للشر لا يخدم فهم الواقع، بل يخدم عقلية تفضل العقاب على السياسة.
اشكال الاستعمار الجديدة لا تقوم دائما على احتلال الارض، احيانا يبدأ الاحتلال باحتلال اللغة نفسها، حين تحدد قوة ما من هو "العاقل" ومن هو "المارق"، ومن هو "الشريك" ومن هو "الشرير"، فانها في الحقيقة ترسم حدود القرار السياسي في العال، وعندما تُحتل اللغة، يصبح احتلال القرار اسهل بكثير.
ربما أخطر ما فعله خطاب ترامب انه جعل كثيرين يتعاملون مع تفكيك النظام الدولي وكانه مجرد تغيير في الاسلوب، لكنه في الحقيقة اعلان واضح بان قواعد ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد مقدسة، وان القوة تستطيع اعادة تعريفها متى شاءت.
ويبقى السؤال مفتوحا، هل ستجري الرياح دوما بما تشتهي القوة العظمى؟ ام ان رياح الشرق هذه المرة ستكون اشد عتيا؟

