ليس السؤال الحقيقي حول قرار إنشاء الشركة الوطنية للمحروقات هو: إن كانت الشركة ستنجح تجاريًا أم لا، ولا إن كانت ستزيد الإيرادات أو تنظم السوق، بل إن السؤال أبعد: لماذا، في هذا التوقيت تحديدًا، يجري الدخول إلى قطاع استهلاكي ربحي، بينما تتراجع أولويات القطاعات المرتبطة مباشرة بالصمود في مواجهة الاستيطان والتبعية الاقتصادية؟
في لحظة سياسية واقتصادية حساسة، حيث يتغول الاستيطان بوتيرة غير مسبوقة، مبتلعًا الجغرافيا يومًا بعد آخر، ويستخدم الغذاء والطاقة والمعابر كأدوات ضغط سياسي، كان يُفترض أن تتجه الأولوية الوطنية نحو الحد الأدنى من الاستقلال الاقتصادي الحقيقي، كالزراعة والمياه والطاقة البديلة والتخزين الاستراتيجي وحماية الأرض ودعم المنتجات المحلية، لكن ما يحدث عمليًا يوحي بأن السلطة تتحرك بعكس هذا الاتجاه تمامًا، نحو القطاعات الأسرع جباية.
قبل سنوات، طُرح مشروع صوامع القمح باعتباره خطوة استراتيجية لحماية الأمن الغذائي الفلسطيني في ظل الأزمات العالمية والحروب وتعطل سلاسل التوريد، يومها رُفع شعار الانفكاك الاقتصادي وتقليل التبعية، لكن المشروع بقي حبرًا على ورق، كعشرات الشعارات، واليوم، بينما لا تزال فلسطين تستورد غذاءها وطاقتها، وحتى جزءًا من مياهها، تتحول الأولوية فجأة لتأسيس شركة محروقات عملاقة.
المفارقة هنا ليست اقتصادية فقط، بل سياسية أيضًا، فالتجارب الاقتصادية في سياقات مشابهة اتجهت غالبًا نحو بناء القطاعات الإنتاجية والتحصينات الاستراتيجية طويلة الأمد، لا نحو التوسع في إدارة الأسواق الاستهلاكية، لأن معركة البقاء لا تبدأ عادة بالبترول، بل بالقمح والسيادة الغذائية.
وفي المقابل، فإن الاقتصادات القوية لا تُبنى أساسًا على الشركات الحكومية وحدها، بل على شبكات واسعة من الأعمال الصغيرة والمتوسطة وشبه الصغيرة، وهي التي تخلق فرص العمل والطبقة الوسطى وتحرك السوق المحلية، فضلًا عن توزيع الثروة بشكل أكثر عدلًا واستقرارًا، أما الاقتصادات التي تتركز فيها القوة الاقتصادية داخل كيانات حكومية ضخمة أو شبكات احتكار ضيقة، فغالبًا ما تصبح أكثر هشاشة أمام الفساد والبيروقراطية.
عالميًا، هناك دول تمتلك شركات حكومية ناجحة في قطاع الطاقة والمحروقات، كالنرويج وماليزيا، أو حتى السعودية، لكنها قامت ضمن شروط مختلفة تمامًا: أنظمة مستقرة، ورقابة صارمة، واقتصاد إنتاجي واسع، وبيئة قانونية تحدد العلاقة بين الدولة والسوق، كما أنها نشأت غالبًا لإدارة ثروات وطنية سيادية موجودة بالفعل، لا لإدارة سوق استهلاكي محدود وتابع اقتصاديًا لدولة أخرى، كما هو الحال فلسطينيًا.
في الحالة الفلسطينية، لا توجد حتى الآن بيئة رقابية وتشريعية واضحة تضمن عدم تحول الشركة إلى مركز جديد للنفوذ المالي والسياسي، بل إن المخاوف تتزايد، لأن الحكومة تدخل هنا إلى واحدة من أكثر المساحات عرضة للتداخل بين السياسة والاقتصاد.
حاليًا، تجمع السلطة الضرائب والرسوم من قطاع المحروقات عبر القطاع الخاص، أي إنها تحصل على الإيرادات دون أن تتحمل مباشرة إدارة العمليات التجارية اليومية، أما بعد ذلك، فإن أكثر من نصف واردات المحروقات ستصبح عمليًا في جيب الحكومة، وبالتالي تتوسع شبكة المصالح والامتيازات والعقود والتعيينات، في ظل غياب، أو تغييب، رقابة فعلية، وضعف الشفافية في إدارة المال العام، ويصبح معها السؤال المشروع: هل نحن أمام مشروع اقتصادي وطني، أم إعادة إنتاج لنموذج الشركات الحكومية العربية التقليدية، حيث تختلط السياسة بالمال، وتتحول المؤسسات الاقتصادية إلى مراكز نفوذ مغلقة؟
الأمر لا يتعلق فقط بالفساد المالي بصورته المباشرة، بل أيضًا بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني نفسه، فقطاع المحروقات، مثله مثل قطاعات أخرى، لا يعمل بمعزل عن مراكز القوى داخل السلطة، فلعقود كانت بعض القطاعات الاقتصادية موزعة بصورة غير معلنة بين أجهزة ومؤسسات وشبكات نفوذ تستفيد من عوائدها، ومن هنا لا يمكن فصل ذلك عن سياق إعادة ترتيب موازين القوة أو إعادة تشكيلها.
وبمعنى أدق، قد لا يكون الهدف فقط تعظيم الإيرادات، بقدر ما هو تجفيف منابع النفوذ الاقتصادي لبعض الأطراف داخل السلطة، وإعادة تركيز السيطرة المالية في مركز حكومي واحد أكثر قربًا من رأس القرار السياسي، حيث تصبح السيطرة على التدفقات المالية أداة نفوذ لا تقل أهمية عن السيطرة الأمنية أو الإدارية، خاصة في أنظمة هشة ماليًا وسياسيًا.
الأمر الآخر، أنه حين تنتقل عمليات الاستيراد والتوزيع إلى جسم حكومي، ترتفع تلقائيًا احتمالات البيروقراطية وضعف الكفاءة والمحسوبيات، بينما يتراجع دور القطاع الخاص الذي يتحمل اليوم جزءًا كبيرًا من المخاطر التشغيلية والاستثمارية، أي إن السلطة ستنتقل عمليًا من مركز الجباية المريحة إلى مركز الإدارة المباشرة، بكل ما هو مرتبط بذلك من مخاطر وخسائر محتملة.
الأخطر في كل ذلك، أن قطاع المحروقات سيتحول إلى هدف مباشر للعقوبات والضغط، وبدلًا من تقليل المخاطر عبر توزيعها بين القطاع الخاص والسوق، يجري تركيزها داخل كيان أكثر هشاشة وقابلية للاستهداف، ما قد يحول المشروع من حل اقتصادي إلى مشكلة سياسية ومالية جديدة.
ثم هناك السؤال الغائب دائمًا: أين المشروع الوطني الشامل ورؤية الصمود الاقتصادي؟ وهل الأولوية لبناء شركات قطاع عام، أم لحماية المزارع الفلسطيني الذي يخسر أرضه، ودعم الصناعة المحلية، وبناء مخزونات غذائية إستراتيجية لتقليل الاعتماد شبه الكامل على الاحتلال؟
فالاقتصاد، في النهاية، ليس مجرد أرقام وإيرادات وعمليات حسابية، بل إعادة تعريف للأولويات الوطنية، فحين تصبح الأولوية لقطاع يدر المال السريع أكثر من قطاعات تبني الصمود، فإن الرسالة السياسية والاقتصادية تصبح أوضح، حيث إدارة الأزمة أولى من بناء القدرة على تجاوزها.

