لم تعد القضية اليوم مرتبطة بما يعلنه الاحتلال في المؤتمرات الصحفية، ولا بما يصدر عن العواصم الغربية من بيانات، بل بما يتشكل يوميًا على الأرض.
فالتاريخ يعلمنا أن موازين القوى لا يحسمها الخطاب، بل الوقائع، ويخبرنا التاريخ أنه حين تنصل "نقفور" من اتفاقات سلفه مع هارون الرشيد، كتب الرشيد إلى "ترامب ذلك الزمان" قائلًا: "الجواب ما ترى لا ما تسمع"، في إشارة إلى أن الرسائل الحقيقية تكتبها الأفعال لا الكلمات.
وبعد أكثر من ألف عام، يبدو أن سموتريتش يعيد توظيف المقولة ذاتها، ولكن في سياق استعماري مختلف كليًا، موجهًا رسالته ليس فقط إلى الفلسطينيين، بل وحتى إلى المجتمع الدولي، قائلًا بلسان أفعاله: لا تنظروا إلى ما يقال عن حل الدولتين، والقانون الدولي، والشرعية الدولية، بل إلى ما أصنعه على الأرض يوميًا.
المفارقة أن هذه الرسالة موجهة أيضًا إلى السلطة الفلسطينية نفسها، تلك التي استمرت طوال أكثر من ثلاثة عقود في الرهان على أن الالتزام الحرفي بأوسلو، والتنسيق الأمني، وخطاب الشرعية الدولية، وتعديل المناهج، وقطع مخصصات الأسرى والشهداء، وما يفرض عليها تحت مسمى "الإصلاحات"، سيقود في النهاية إلى الدولة الفلسطينية، غير أن الرد تتلقاه ليس على طاولة المفاوضات، بل عبر الخطط وخرائط الاستيطان، وكأن سموتريتش يقول لها إن الجواب على التزامكم الدقيق بتفاصيل أوسلو ما ترونه، لا ما تسمعونه من وعود المجتمع الدولي.
التقرير الذي نشره إعلامهم لا يتحدث عن مشاريع مستقبلية فقط، بل عن حصيلة سنوات من العمل: نقل صلاحيات، وشرعنة عشرات البؤر الاستيطانية، وإعادة الاستيطان لشمال الضفة، وتوسيع المزارع الاستيطانية، وتحويل الاحتلال من بنية عسكرية مؤقتة، وفقًا للقانون الدولي، إلى بنية "مدنية دائمة". وهذه ليست إجراءات منفصلة، بل استراتيجية تقفز عن الحاجة لإعلان الضم رسميًا عبر تحقيقه عمليًا.
وهنا تكمن أهمية فعل سموتريتش، فلم يسعَ لانتزاع اعتراف بقدر سعيه لخلق واقع يجعل الاعتراف مجرد خطوة شكلية مؤجلة.
فالاستيطان في الفكر الصهيوني لم يكن يومًا مجرد إسكان المستقدمين في أراضٍ سيطر عليها بالدم والنار، بل إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا، وفرض السيادة في آن واحد. لذلك فعدد البؤر الاستيطانية ليس مجرد رقم، وعدد المستوطنين ليس تفصيلًا، ونقل الصلاحيات الإدارية من وزارة الحرب ليس مجرد "إصلاح بيروقراطي"، فكلها عبارة عن حلقات في مشروع توسعي يسعى لتحويل الاحتلال من وضع استثنائي إلى دائم.
الأخطر من هذا أنه يعتمد قاعدة أثبتت التجارب الاستعمارية عمومًا، وفي هذا السياق خصوصًا، فعاليتها، وهي أن الزمن يعمل لصالح من يغير الواقع، لا من ينتظر العدالة، تلك التي تسجن من يسرق رغيفًا، وتحمي من يسرق وطنًا.
فكل مستوطنة جديدة تصبح بعد سنوات مدينة قائمة، وكل طريق التفافي يتحول إلى بنية تحتية "وطنية"، وكل بؤرة تصبح لاحقًا حيًا "معترفًا به"، ويصبح الدفاع عنها أمنًا قوميًّا، وتتحول الجريمة الأولى إلى حقيقة سياسية يصعب التراجع عنها، ويجب الدفاع عنها.
ولعل ما يلفت الانتباه أن معارضي نهج سموتريتش لا يجادلون في "حجم الإنجاز"، بل يخشون أثمانه المستقبلية، فيتحدثون عن العزلة الدولية، والفوضى الأمنية، وإرهاب المستوطنين، لكنهم يقرون بأن الواقع الذي تشكل خلال السنوات الماضية سيكون من الصعوبة على أي حكومة مقبلة أن تعكس اتجاهه أو تتراجع عنه، اعترافٌ يكشف أن الصراع الحقيقي ليس حول النوايا، بل النتائج.
في المقابل، ما يزال جزء كبير من الخطاب الدولي أسير لغة البيانات؛ إدانات متكررة، ودعوات إلى التهدئة، وتحذيرات من تقويض حل الدولتين، بينما تتغير الأرض بوتيرة أسرع من قدرة الدبلوماسية على مواكبتها. وهنا يظهر التناقض الصارخ بين عالم يسمع ويتكلم، واحتلال يوغل في جرائمه، فالقانون الدولي، مهما بلغت قوته، يفقد جزءًا كبيرًا من حضوره عندما يغيب الثمن السياسي والاقتصادي لخرقه.
فلسطينيًا، التحدي لم يعد يقتصر على وقف المشروع الاستيطاني، قديمه وجديده، بل بإدراك أن طبيعة المعركة تغيرت. لم يعد الاحتلال ينتظر المفاوضات لينتزع المكاسب، بل يستخدمها، أو حتى تجميدها، كغطاء لتغيير المشهد. لذلك فإن أخطر ما يحدث هو استمرار التعامل مع الضفة باعتبارها أرضًا مؤجلة الحسم، بينما يجري حسمها يومًا بعد آخر.
لقد "نجح" سموتريتش في تحويل شعار اليمين الصهيوني القائم على "فرض السيادة" إلى سياسة تقوم على "صناعة السيادة"، مدركًا أن السيادة لا تبدأ بإعلان، بل بالإدارة، وبالخرائط، وبالطرق والمزارع، وبالمستوطنات والموازنات الهائلة، ثم يأتي القانون لاحقًا ليشرع ما أصبح واقعًا.
وبالتالي، فالاحتلال لا ينتظر قبول العالم، بل يعمل على جعل اعتراضه غير ذي قيمة، لذلك لم يعد السؤال الأهم: ماذا يقول المجتمع الدولي؟ بل: ما شكل الأرض الفلسطينية عندما ينتهي المجتمع الدولي من كلامه؟

