فلسطين أون لاين

بين بيانات الإدانة وجرافات الاستيطان!

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تمسكت القيادة الفلسطينية بخيار المفاوضات وبناء المؤسسات، والرهان على ما تسمى الشرعية الدولية والاعتراف المتزايد بالدولة الفلسطينية، باعتبارها الطريق الأقصر لإنهاء الاحتلال. وفي المقابل، لم تتوقف حكومات الاحتلال المتعاقبة، منذ اليوم التالي لأوسلو، عن توسيع المشروع الاستيطاني، لكن سنوات الحكومة الحالية مثلت نقطة تحول؛ إذ لم يعد الهدف مجرد توسيع المستوطنات، بل إعادة هندسة الضفة سياسيًا وقانونيًا وجغرافيًا، الأمر الذي يجعل أي انسحاب مستقبلي أقرب إلى المستحيل.

وكشف تقرير صدر مؤخرًا عن عدد من المنظمات "الحقوقية" أن ما جرى خلال السنوات 2023-2025، والتي سمتها "السنوات السمان"، لا يمكن وصفه بأنه مجرد موجة استيطانية، بل انتقال من سياسة مؤقتة إلى بناء منظومة ضم فعلي، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بالعدوان على غزة، وشكلية ردود الفعل الدولية التي اقتصرت، في معظمها، على البيانات.

بنت السلطة استراتيجيتها لسنوات على فرضية أن الشرعية الدولية، والاعترافات بالدولة الفلسطينية، والرأي الاستشاري للمحكمة الدولية، والضغوط الدبلوماسية، ستفرض كلفة سياسية على الاحتلال تدفعه إلى التراجع، أو على الأقل إلى وقف هذا المشروع. غير أن الوقائع على الأرض سارت باتجاه معاكس تمامًا، فاستغل الاحتلال الزمن لتغيير الجغرافيا بوتيرة غير مسبوقة، حتى باتت الأرض نفسها تتغير أسرع بكثير من قدرة السياسة على مواكبتها.

ولعل أكثر ما يعكس ذلك هو الانتشار الواسع للبؤر الاستيطانية، حيث أُنشئت 185 بؤرة جديدة، وأصبحت تفرض سيطرة فعلية على أكثر من مليون دونم، أي ما يقارب خمس الضفة. ولم يعد الاستيطان يتمركز داخل المستوطنات الكبرى، بل تمدد إلى الجبال والسهول والمراعي، فيكفي وجود عدد محدود من المستوطنين وقطيع ماشية لفرض واقع جديد، ينتهي غالبًا بسرقة الأرض من أصحابها.

التقرير يشير، بشكل واضح، إلى أن غالبية هذه الأراضي لا تقع ضمن ما كان يصنفه الاحتلال كـ"أراضي دولة"، بل هي أملاك خاصة، وأراضٍ وقفية، وأخرى لم تستكمل إجراءات تسجيلها، ما يعني أن السيطرة الميدانية تسبق أي غطاء قانوني، ثم يجري لاحقًا إنتاج "الشرعية" الإدارية التي تخدمه.

وفي الوقت نفسه، لم تتوقف عمليات البناء والتخطيط، فسجلت أرقامًا غير مسبوقة، تجاوزت أربعين ألف وحدة استيطانية، نصفها خلال عام 2025. والأرقام لا تعني فقط زيادة عدد المباني، وإنما واقعًا ديمغرافيًا جديدًا قادرًا على استيعاب مئات آلاف المستوطنين مستقبلًا، الأمر الذي سيغير التركيبة الديمغرافية.

لكن التحول الأخطر كان مؤسسيًا، فنقلت حكومة الاحتلال قسمًا كبيرًا من صلاحيات إدارة الضفة إلى مؤسسات "مدنية"، فحصل سموتريتش على صلاحيات واسعة في الإدارة المدنية والتخطيط وإدارة الأراضي، وبذلك لم تعد الضفة تدار، ولو شكليًا، باعتبارها منطقة خاضعة لاحتلال عسكري مؤقت، وهي خطوة تعتبر أحد أوضح أشكال الضم.

هذه التحولات رافقها توسيع استخدام الأدوات "القانونية" والإدارية، فأعلن الاحتلال عن تحويل 26 ألف دونم إلى "أراضي دولة"، وهو رقم يعادل نصف الأراضي التي تم تحويلها خلال الفترة بين 1993 و2022. كما رُصدت موازنات هائلة لتسوية الأراضي، وأُصدرت أوامر مصادرة جديدة، في محاولة لتحويلها إلى ملكية معترف بها داخل منظومته الاحتلالية "القانونية".

ميدانيًا، استكملت البنية التحتية هذه الخطوات، عبر شق أكثر من 220 كيلومترًا من الطرق الجديدة، التي تربط البؤر والكتل الاستيطانية ببعضها البعض، وتعزل القرى الفلسطينية عن بعضها البعض، ما يعيد تشكيل الجغرافيا بطريقة تجعل التواصل الفلسطيني أكثر صعوبة، على خلاف التواصل الاستيطاني.

فلسطينيًا، لم يكن الثمن مجرد خسارة مساحات من الأرض، بل تهجير عشرات التجمعات، وتصاعد عمليات الهدم، وتضييق مستمر على الوجود الفلسطيني. وهكذا أصبحت سياسة السيطرة على الأرض مرتبطة مباشرة بتهجير الفلسطينيين.

ولا يمكن قراءة هذه الوقائع بمعزل عن أداء النظام السياسي الفلسطيني، الذي انصب جهده على تحقيق الاعتراف الدولي، والانضمام إلى المنظمات الدولية، واستصدار القرارات الأممية، والرهان على أن الضغط السياسي سيكبح المشروع الاستيطاني. ورغم أن هذه السياسة حققت إنجازات قانونية ودبلوماسية مهمة، لكنها وجدت نفسها متأخرة جدًا أمام واقع فرضه الاحتلال على الأرض؛ لأن المعركة لم تكن تدور داخل أروقة المؤسسات الأممية، بل في السهول، أو فوق التلال والجبال، وفي دوائر التخطيط.

كشفت التجربة أن الشرعية الدولية، على أهميتها، لا تتحول تلقائيًا إلى قوة قادرة على وقف الاحتلال دون ضغط أو قدرة على حماية الأرض وتعزيز صمود أصحابها، والاحتلال كان يدرك أن البيانات لا تزيل مستوطنة، والقرارات الأممية لا توقف جرافة، وأن الوقت يعمل لمصلحته عبر تحويل الوقائع المؤقتة إلى حقائق "دائمة".

واليوم، وبعد كل هذه السنوات على أوسلو، لم يعد السؤال ما إذا كان الاحتلال يسعى إلى ضم الضفة كليًا أو جزئيًا، بل إلى أي مدى أصبح هذا الضم واقعًا قائمًا بالفعل. كما لم يعد السؤال الفلسطيني مقتصرًا على كيفية كسب اعتراف دولي جديد، وإنما كيف يمكن تحويل كومة الاعترافات هذه إلى أدوات فعلية توقف تغيير الجغرافيا، قبل أن تصبح أي تسوية سياسية، مهما كان شكلها، مجرد تسوية على أرض لم تعد موجودة.

المصدر / فلسطين أون لاين