فلسطين أون لاين

عامر بعلوشة.. قلب أنهكه المرض والحصار قبل أن يخطفه الموت

...
عامر بعلوشة
غزة/ جمال غيث:

لم يكن عامر بعلوشة، يحلم بأكثر من فرصة للعلاج تعيد إلى قلبه نبضه الطبيعي، أو أن يعود يومًا إلى منزله في حي الكرامة شمال غربي مدينة غزة ليبدأ من جديد بعد الحرب، لكن المرض، والحصار، وفقدان العلاج، سبقوا جميعًا أحلامه، لتنتهي رحلته مساء الأحد الماضي، بعد معاناة استمرت عامين مع مرض القلب.

وجلس عمه، عماد بعلوشة، يروي تفاصيل الأيام الأخيرة من حياة ابن شقيقه، لصحيفة "فلسطين" في حين بدت على وجهه علامات الذهول وعدم التصديق.

وقال بعلوشة: إن عامر أصيب بالمرض قبل عامين، في حين حصل على تحويلة للعلاج في الخارج قبل شهرين، بعد أن أكد الأطباء حاجته إلى تدخل جراحي عاجل، إلا أن الحرب وما رافقها من إغلاق للمعابر ومنع سفر المرضى حالت دون وصوله إلى المستشفى الذي كان ينتظره.

ظروف قاسية

وأضاف بصوت يملؤه الأسى: "كانت حالته تتدهور يومًا بعد آخر، ولم يعد العلاج المتوفر داخل غزة كافيًا لإنقاذه، حتى فارق الحياة مساء الثاني من أغسطس، بعدما عجز قلبه عن مقاومة المرض أكثر".

لم تكن المعاناة الصحية وحدها ما أثقل كاهل "عامر" والقول لعمه، فالحرب سلبته أيضًا منزله، الذي كان يقيم فيه بحي الكرامة، قبل أن يجبر على النزوح مرارًا داخل مدينة غزة مع اتساع العمليات العسكرية العدوانية.

وكلما انسحبت قوات الاحتلال الإسرائيلي من المنطقة، كان يعود إلى منزله ليزيل الركام ويصلح ما يمكن إصلاحه، على أمل أن تستعيد العائلة شيئًا من حياتها الطبيعية، لكن، والقول لبعلوشة، ذلك الأمل انهار في سبتمبر/ أيلول 2025، عندما دُمّر المنزل بالكامل خلال الاجتياح الإسرائيلي للحي، ليجد "عامر" نفسه بلا مأوى، مجبرا على النزوح مع أسرته إلى مدينة دير البلح وسط القطاع، حيث عاش داخل خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، تحت درجات حرارة مرتفعة وظروف إنسانية قاسية تدهورت حالته الصحية يوما بعد الآخر.

ويؤكد عمه، أن فقدان المنزل ترك أثرًا نفسيًا بالغًا في نفس "عامر"، الذي كان يرى في إعادة إعماره حلمه الأكبر بعد انتهاء الحرب، ورغم كل ما مر به، ظل يرفض فكرة مغادرة غزة أو التهجير، متمسكًا بالأمل في البقاء داخل مدينته والعودة إلى منزله مهما طال الانتظار.

ويصفه أفراد عائلته بأنه كان هادئ الطباع، محبوبًا بين الناس، لا تفارق الابتسامة وجهه رغم ما يعيشه من ألم، وكان يتحدث دائمًا عن رغبته في السفر للعلاج، ثم العودة ليستكمل حياته بين أهله، إلا أن ذلك الحلم لم يتحقق.

فرصة علاج

من جانبه، قال ابن عمه أسامة بعلوشة: إن العائلة بذلت كل ما تستطيع من أجل إنقاذه، وتنقلت معه بين المستشفيات أملاً في الحصول على علاج أو فرصة لإجراء عملية جراحية في القلب واستبدال أحد الصمامات التي كان يحتاجها بصورة عاجلة.

وأضاف بعلوشة لصحيفة "فلسطين": أن حالته تدهورت بصورة كبيرة خلال الأيام الأخيرة، حتى أصيب بنوبة قلبية أفقدته الوعي، ليُنقل إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث بقي لساعات وهو في غيبوبة، قبل أن يُعلن الأطباء وفاته، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة لعلاج حالته.

وأشار أسامة، إلى أن "عامر" لم يُرزق بأطفال، وكان يأمل في استكمال علاجه خارج القطاع، ليحقق حلم الأبوة، إلا أن المرض سبقه، ليرحل بعيدًا عن منزله الذي دمرته الحرب، تاركًا خلفه عائلة ما زالت تعيش صدمة فقدانه.

ولفت إلى أن ابن عمه الراحل كان الثاني بين خمسة أشقاء، وله خمس شقيقات، وأن غيابه ترك فراغًا كبيرًا في الأسرة، فكان أطيب وأحن أخوته.

وترى العائلة أن الظروف التي فرضتها الحرب ساهمت في تدهور حالته الصحية، سواء بسبب الانقطاع المستمر للعلاج، أو الضغوط النفسية التي عاشها بعد فقدان منزله ونزوحه المتكرر، إضافة إلى ما تعرض له من ظروف بيئية قاسية خلال سنوات الحرب.

وفي رسالة إلى المجتمع الدولي، طالب أفراد العائلة العالم الحرب بتمكين المرضى من السفر والعاجل لتلقي العلاج، وضمان إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية إلى قطاع، مؤكدين أن مئات المرضى يواجهون المصير ذاته في ظل الانهيار المتواصل للمنظومة الصحية.

وتشير بيانات وزارة الصحة في غزة، إلى وفاة أكثر من 1500 مريض كانوا يحملون تحويلات طبية أثناء انتظار السماح لهم بالسفر للعلاج خارج القطاع.

كما يواجه النظام الصحي نقصًا حادًا في الأدوية والأجهزة الطبية، في وقت يحتاج فيه آلاف المرضى إلى تدخلات علاجية عاجلة لا تتوفر داخل القطاع المحاصر من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

وبينما لا يزال معبر رفح يعمل بصورة محدودة للغاية لعبور أعداد قليلة من المرضى والحالات الإنسانية، تنتظر آلاف الحالات الأخرى دورها للسفر، وسط قيود مشددة وتأخير يهدد حياة كثيرين.

المصدر / فلسطين أون لاين