لم تعد أزمة المقاصة مجرد أزمة سيولة، أو تأخير رواتب، أو خلاف تقني حول نسب الاقتطاعات والتحويلات، بل تحولت إلى التعبير الأوضح عن لحظة سياسية وتاريخية يجري فيها تفكيك النموذج الفلسطيني الذي نشأ بعد أوسلو قطعةً قطعةً، وصولًا إلى وضع تصبح فيه السلطة نفسها مهددة، ليس فقط بالعجز المالي، بل بفقدان معناها الوظيفي والسياسي بالكامل.
وما يزيد خطورة المشهد أن ما يجري اليوم لا يبدو رد فعل إسرائيليًا مؤقتًا مرتبطًا بالعدوان على غزة، بل جزءًا من مشروع استراتيجي متكامل، خُطِّط له مسبقًا، يقوده اليمين الديني والقومي لإعادة تعريف شكل الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية ضمن معادلة جديدة تقوم على إدارة السكان دون الاعتراف بأي حقوق وطنية أو سياسية.
لهذا، لم يكن صدفةً أن يصبح سموتريتش، أكثر وزراء الاحتلال تطرفًا وعداءً لفكرة الدولة الفلسطينية، الرجل الذي يمسك فعليًا بمفتاح الاقتصاد الفلسطيني. فلا يخفي مشروعه، وقد قال مرارًا إن هدفه ليس فقط منع قيام دولة فلسطينية، بل تفكيك أي بنية سياسية يمكن أن تتطور مستقبلًا إلى كيان سيادي. ومن هنا جاءت سياسة المقاصة الحالية باعتبارها أداة خنق تدريجي لا تستهدف فقط الرواتب أو الموازنة، بل تستهدف تحويل السلطة نفسها إلى جسم هش وعاجز وتابع، يعتمد في بقائه اليومي على قرارات الاحتلال وموافقاته وتحويلاته المالية.
الأخطر أن دولة الاحتلال لم تعد تتعامل مع المقاصة باعتبارها أموالًا فلسطينية محتجزة، بل باعتبارها مساحة مفتوحة للعقوبات والابتزاز وإعادة تشكيل الواقع السياسي. فبعد سنوات من الاقتطاعات المرتبطة بالأسرى والشهداء وغيرها، دخلت الأمور اليوم مرحلة أخطر تتمثل في الحديث عن مطالبات وتعويضات وخصومات قد تجعل السلطة مدينةً لا دائنةً، وهذا تطور بالغ الخطورة؛ لأنه يعني عمليًا الانتقال من مرحلة التحكم بالاقتصاد الفلسطيني إلى مرحلة الوصاية عليه، بحيث تصبح السلطة مطالبةً بدفع كلفة الاحتلال نفسه تحت عناوين قانونية وأمنية ومالية مختلفة.
السلطة بنت إستراتيجيتها خلال السنوات الأخيرة على فرضية سياسية ثبت فشلها بالكامل. انتظرت سقوط حكومة اليمين بفعل تناقضاتها الداخلية، أو أزماتها القضائية، أو الحروب المتكررة، لكنها فوجئت بأن هذه الحكومة من الحكومات القليلة التي "نجحت" في البقاء حتى نهاية مدتها، وفي استثمار الحرب والفوضى الإقليمية لتعزيز بقائها وتوسيع مشروعها الاستيطاني.
وخلال هذه السنوات، كانت الضفة الغربية تُعاد صياغتها على الأرض بصورة غير مسبوقة، عبر مئات البؤر الاستيطانية والطرق والإغلاقات ومصادرة الأراضي، وتحويل المستوطنين إلى ميليشيات مسلحة تفرض السيادة الإسرائيلية اليومية على كامل الجغرافيا الفلسطينية. وفي المقابل، بقيت السلطة تراهن على الوقت، وعلى تغير الإدارة الأمريكية منذ عهدي أوباما، مرورًا بعهد ترامب الأول، ثم بايدن، وعلى الضغوط الأوروبية، وعلى شبكة أمان عربية لم تتحول يومًا إلى سياسة فعلية.
وحتى حين جرى الحديث مؤخرًا عن مجلس السلام، أو عن ترتيبات إقليمية جديدة لما بعد الحرب، سارعت للقبول أملًا في النجاة، ثم بدا واضحًا أن المطلوب ليس حماية السلطة، بل إعادة تدويرها وظيفيًا ضمن ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة قد تشمل مستقبلًا إدارة أموال المقاصة نفسها تحت وصاية دولية أو إقليمية، إذا بقي من هذه المقاصة شيء أصلًا.
هنا يصبح السؤال الحقيقي: ماذا بقي لدى السلطة من أوراق؟ وهل تملك فعلًا خطة "ب"، أو "ج"، أو حتى "د"، إذا استمر هذا المسار؟
حتى اللحظة تبدو المشكلة الكبرى أن السلطة لا تزال تتحرك داخل عقلية أوسلو، رغم انهيار البيئة التي أنتجت أوسلو نفسها. فهي ما زالت تراهن على الوسيط الأمريكي، رغم أن واشنطن لم تعد تتحدث عن دولة فلسطينية بالمعنى الحقيقي، وتتمسك بالتنسيق الاقتصادي والأمني، رغم أن الاحتلال يتعامل معها كعبء إداري لا كشريك سياسي، وما زالت تخشى الانتقال إلى خيارات جديدة خوفًا من الفوضى أو الانهيار أو العقوبات الدولية.
لكن ما يجري عمليًا هو أن الانهيار يتقدم بالفعل، ولكن بصورة بطيئة ومتدرجة. فالسلطة التي لا تملك السيطرة على حدود، ولا أموال، ولا موارد، ولا حتى حركة موظفيها، تتحول تدريجيًا إلى إدارة محلية محدودة الصلاحيات، بينما تنتقل السيادة الفعلية على الأرض إلى المستوطنين وجيش الاحتلال والمؤسسات الأمنية والاقتصادية الإسرائيلية.
لهذا تبدو الحاجة ملحة لإعادة تعريف الخيارات الفلسطينية بعيدًا عن الانتظار السياسي، فالخطة "ب" لا يمكن أن تكون مجرد البحث عن مانحين جدد، أو قروض جديدة، أو دفعات عربية مؤقتة؛ لأن المشكلة بنيوية لا نقدية فقط.
المطلوب أولًا إعادة بناء الشرعية الداخلية عبر مصالحة حقيقية وتوسيع المشاركة السياسية، وثانيًا البدء تدريجيًا بفك الارتباط الاقتصادي مع الاحتلال مهما كانت الكلفة، وثالثًا نقل الصراع إلى ساحات القانون الدولي والعقوبات والمقاطعة بصورة أكثر جدية وتنظيمًا، ورابعًا إعادة تعريف وظيفة السلطة نفسها: فهل هي سلطة انتقالية نحو دولة، أم مجرد إدارة خدمات تحت الاحتلال؟
أما الخطة "ج"، فقد تكون أخطر وأكثر واقعية: إدارة مرحلة الانكماش والبقاء، أي تقليص مؤسسات السلطة، وإعادة هيكلة الاقتصاد والموازنات، والتعامل مع واقع طويل من الحصار المالي والسياسي.
بينما تبقى الخطة "د"، وهي الأكثر حساسية، احتمال الوصول إلى لحظة انهيار تدريجي أو تفكك وظيفي، تفرض فيها دولة الاحتلال نموذجًا جديدًا من الإدارة المدنية المباشرة أو غير المباشرة تحت غطاء إقليمي ودولي.
وفي ظل هذا التحول، تبدو أخطر أزمة تعيشها السلطة ليست أزمة المقاصة، بل أزمة غياب الرؤية لما بعد المقاصة، وما بعد أوسلو، وربما ما بعد الشكل الحالي كله للنظام السياسي الفلسطيني. فالدول لا تسقط فقط بالمال، بل عندما تستمر في انتظار معجزة سياسية لن تحدث، بينما يُعاد تشكيل الواقع من حولها كل يوم.

