فلسطين أون لاين

مخيم الشرق في غزة.. حياة على حافة الانهيار بين العطش والجوع والقلق اليومي

...
طفلة تقف بين الخيام في "مخيم الشرق" بغزة
غزة/ صفاء عاشور:

في قلب مدينة غزة، وبين أزقة مثقلة بظروف إنسانية قاسية، يقع "مخيم الشرق" كمساحة صغيرة مكتظة بالمعاناة اليومية. لا يبدو المكان كمخيم بالمعنى التقليدي، بل كتجمع من خيام متلاصقة تؤوي نحو 19 عائلة، بما يقارب 50 إلى 60 شخصًا، يعيشون في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الإنسانية.

يعكس المشهد العام داخل المخيم حالة من الانهيار الخدمي شبه الكامل؛ فلا مياه كافية، ولا طعام منتظم، ولا تكيات أو نقاط دعم ثابتة، ولا أي تدخل مؤسسي يخفف من وطأة الواقع. وفي هذا الفراغ الإنساني، تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة بقاء مستمرة.

أزمة مياه خانقة

تُعد أزمة المياه في مخيم الشرق من أكثر الأزمات إلحاحًا وخطورة، إذ تعتمد العائلات على كميات شحيحة وغير منتظمة لا تكفي حتى للاحتياجات الأساسية من شرب ونظافة وطهي.

WhatsApp Image 2026-06-10 at 8.01.48 PM.jpeg
 

تقول عايدة عرفة، إحدى سكان المخيم، إن المياه تصل بشكل متقطع، وإن وصلت فهي لا تكفي ليوم واحد، ما يضطرها إلى تقسيمها بدقة بين أفراد أسرتها. وتضيف: "في كثير من الأحيان لا يحصل كل فرد على حاجته من الماء".

وتشير في حديثها لصحيفة "فلسطين" إلى أن الأطفال هم الأكثر تضررًا، إذ يضطر بعضهم لشرب مياه غير مضمونة المصدر، ما يرفع احتمالية انتشار الأمراض المعوية والجلدية في ظل غياب الرعاية الصحية الكافية.

ولا تقتصر الأزمة على الشرب فقط، بل تمتد إلى النظافة الشخصية وغسل الملابس وتنظيف الخيام، ما يفاقم التدهور الصحي داخل المخيم.

الجوع واقع يومي

في مخيم الشرق، لا يوجد نظام غذائي ثابت ولا مصدر غذاء مضمون. تعتمد العائلات على مساعدات متقطعة أو مبادرات فردية محدودة لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات.

يقول محمد جعرور: "تمر أيام دون أن نتمكن من توفير وجبة كاملة للأطفال، نحاول تقسيم ما يصلنا، لكن الكمية قليلة جدًا مقارنة بعدد النازحين".

ويضيف أن الأطفال والنساء هم الأكثر تضررًا من نقص الغذاء، إذ تظهر على بعض الأطفال علامات ضعف وإرهاق نتيجة سوء التغذية، في ظل غياب برامج دعم غذائي منتظمة.

WhatsApp Image 2026-06-10 at 8.01.50 PM.jpeg
 

ويلفت لـ"فلسطين" إلى أن انعدام الاستقرار الغذائي وغياب أي مصدر ثابت كالتكيات يضع العائلات في حالة ترقب دائم لأي مساعدة قد تصل، دون ضمان لاستمراريتها.

ويؤكد جعرور أنه رغم مأساوية الوضع، فإن المخيم لا يُدرج بشكل منتظم ضمن برامج الدعم، وأن المساعدات إن وصلت فهي محدودة وغير كافية للجميع.

هذا الغياب للأمن الغذائي يضع السكان في مواجهة مباشرة مع الاحتياج اليومي، دون أي شبكة أمان إنسانية، ما يجعل المخيم في حالة هشاشة دائمة.

القوارض تهدد الصحة داخل الخيام

من أخطر المشكلات داخل مخيم الشرق انتشار الفئران والقوارض داخل الخيام، نتيجة غياب النظافة العامة وصعوبة توفير مواد التعقيم والمكافحة.

WhatsApp Image 2026-06-10 at 8.01.53 PM.jpeg
 

تقول آمنة عليوة، التي تعيش في المخيم مع زوجها وأطفالها الثمانية، إن القوارض أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، حيث تدخل الخيام ليلًا وتقترب من أماكن نوم الأطفال، مضيفة: "هناك خوف دائم، ولا نستطيع السيطرة على الوضع لغياب وسائل المكافحة".

وتضيف لـ"فلسطين" أن بعض الأطفال تعرضوا لخدوش أو عضّات خفيفة أثناء النوم، ما يزيد من القلق الصحي، خاصة مع غياب الرعاية الطبية المنتظمة. وتشير إلى أنها استيقظت ذات ليلة على ألم في إصبعها لتكتشف أن فأرًا دخل الخيمة وعضّها أثناء النوم.

إدارة المخيم: واقع هش وانعدام أمان شامل

تؤكد مسؤولة المخيم سناء أمن أن الحياة داخل مخيم الشرق شديدة الصعوبة، وأن السكان يعيشون في حالة هشاشة مستمرة وأزمات متعددة على مختلف المستويات، في ظل غياب شبه كامل للأمان البيئي والنفسي.

وتقول لـ"فلسطين": "مخيم الشرق يمثل صورة مكثفة لمعاناة إنسانية مركبة، تتداخل فيها الأزمات المعيشية والصحية والغذائية في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الدعم. بين العطش والجوع والقوارض والخطر اليومي، يعيش السكان حالة دائمة من الترقب والنجاة المؤقتة".

WhatsApp Image 2026-06-10 at 8.01.56 PM.jpeg
 

وتضيف أن الأطفال يلعبون في مساحات ضيقة وغير آمنة، بينما تزيد الفوضى بين الخيام من احتمالات الحوادث اليومية، في ظل غياب الدعم النفسي والاجتماعي، ما يترك آثارًا واضحة على السكان، خاصة الأطفال.

وتختم بمرارة: "نحن لا نطلب المستحيل، فقط نريد أن نعيش بكرامة… ماء نظيف، طعام يكفي أطفالنا، ومكانًا آمنًا لا نخاف فيه عليهم كل لحظة".

في مخيم الشرق، لا تبدو الحياة حياة كاملة، بل محاولة يومية للبقاء وسط ظروف تتجاوز حدود الاحتمال، فيما يظل الأمل معلقًا على تدخل قد لا يأتي في الوقت الذي ينقذ ما تبقى من إنسانية المكان.

المصدر / فلسطين أون لاين