لم يتوقف الدعم اليمني للشعب الفلسطيني عند حدود الإسناد العسكري والسياسي الذي قدم دعما للمقاومة الفلسطينية خلال حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة، بل امتد إلى ميادين الثقافة والتربية وبناء الوعي، انطلاقا من قناعة بأن معركة الرواية لا تقل أهمية عن معركة الميدان.
ففي ظل محاولات مستمرة لإعادة صياغة الرواية الفلسطينية وتشويهها عبر أدوات إعلامية متعددة، برزت مبادرات يمنية ركزت على ترسيخ الحضور الفلسطيني في الوعي العربي ودعم الجيل الناشئ ثقافيا وإبداعيا.
وفي هذا الإطار، جاءت مسابقة "خيامنا محطة صبر لميلاد الفجر القادم" من تنظيم مبادرة مونديال غزة الدراسي برعاية ودعم جمعية أم البراء اليمنية للأعمال الخيرية، لتشكل مساحة إبداعية مفتوحة أمام أطفال قطاع غزة، بالتزامن مع مسابقة وزارة الثقافة والسياحة اليمنية التي حملت بدورها بعدا ثقافيا داعما للقضية الفلسطينية.
وشهدت مسابقة "خيامنا محطة صبر لميلاد الفجر القادم" مشاركة واسعة تجاوزت الألف متسابق ومتسابقة، تنافسوا في مجالات تلاوة وحفظ القرآن الكريم، والشعر، والقصة القصيرة، وفن الإلقاء، والرسم، في مشهد يعكس حجم الطاقات الإبداعية الكامنة لدى الجيل الفلسطيني رغم الظروف الصعبة التي يعيشها.
إبداع يولد من قلب المعاناة
وقال منسق المسابقة الكاتب اليمني سهيل عثمان سهيل، إن تجربة خيامنا محطة صبر لميلاد الفجر القادم، تمثل محطة نوعية في اكتشاف طاقات إبداعية فلسطينية قادرة على إنتاج أعمال تحمل وعيا ورسالة رغم الظروف القاسية.
وأضاف، ما لمسناه خلال فرز وتقييم الأعمال كان مفاجئا بكل المقاييس، إذ تجاوزت العديد من المشاركات التوقعات من حيث النضج الفني والقدرة على التعبير، لقد رأينا إبداعا يولد من تحت الركام.
وأوضح أن لجان التحكيم اعتمدت معايير دقيقة في التقييم، مشيرا أن التقييم كان قائما على جودة العمل والالتزام بموضوع المسابقة والقدرة على التعبير الصادق، وقد أظهرت المشاركات تنوعا لافتا بين الشعر والقصة والرسم وفن الإلقاء والتلاوة.

وفي حديثه عن المتسابقين قال سهيل لصحيفة "فلسطين"، أدهشنا مستوى الالتزام لدى المشاركين، فجميع الأعمال حملت بصمة واضحة ووعيا بالقضية الفلسطينية، خصوصا قضية الأسرى التي شكلت محورا رئيسيا في المسابقة.
ولفت إلى أن هذه المسابقة ليست مجرد منافسة، بل مساحة لإعادة بناء الإنسان الفلسطيني ثقافيا ومعرفيا، وقد أثبت المتسابقون قدرتهم على تحويل الألم إلى طاقة إبداع وصمود.
نتائج الفائزين
في نتائج المسابقة، حصدت هبة أحمد الدلو المركز الأول في تلاوة وحفظ القرآن الكريم، تلاها براء أحمد أبو شنب، ثم ماريا صلاح الدين حور، فيما جاء محمود إياد نصر ورهف صبحي الحداد ضمن المراكز المتقدمة.
وفي فن الإلقاء، فاز مجد الدين حيدرة الشريف بالمركز الأول، يليه صهيب حسام الدين عابد، ثم فلاح مصطفى الدلو، وشمس محمد عاشور، وسمر حمزة أبو طير.
أما في الشعر، فقد حصل إبراهيم عماد أبو شبيكة على المركز الأول، وجاءت شمس زاهر طموس ثانية، وسارة محمد شابط ثالثة، فيما برزت بسمة إبراهيم غباين وبراءة محمد عيسى ضمن المراكز التالية.
وفي الكتابة، فازت نسمة محمد الكحلوت بالمركز الأول، تلتها ندى عبدالناصر الكحلوت، ثم منى سليمان عرادة، وفادية عوني أبو سويرح، وبراء سامي أبو نحل.
وفي الرسم، حصدت نجوى خليل حسن المركز الأول، وجاء محمد أحمد الدردساوي في المركز الثاني، ثم ميس إسماعيل المدهون، وسما محمد الفيراني، وألما عماد صمد.
وأكدت اللجنة المنظمة أن عملية التحكيم تمت وفق معايير أكاديمية وتربوية دقيقة، بإشراف نخبة من المختصين من غزة، بهدف ضمان العدالة والشفافية في اختيار الأعمال الفائزة.
وشارك في الإشراف على المسابقة فطين البنا من وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، الذي أشاد في حفل تكريم الفائزين بالمستوى المتميز للمشاركين، مؤكدا أن المسابقة وفرت مساحة حقيقية للتعبير عن الإبداع الفلسطيني رغم التحديات الصعبة التي يعيشها القطاع.
واعتبر منظمو المسابقة أن حفل التكريم السبت الماضي، يمثل تتويجا لجهود المشاركين ورسالة دعم ثقافي متبادل بين غزة واليمن، يعزز حضور الرواية الفلسطينية ويمنح الأطفال منصة للتعبير عن هويتهم الوطنية.
من جهتها أشادت سمية علي رئيس مجلس إدارة مونديال غزة الدراسي، بمستوى المتسابقين في مختلف المجالات، مشيرة إلى اهتمام مؤسستها بالأعمال الابداعية لابراز مواهب الاطفال.
تحويل التاريخ إلى محطة مهمة
وعلق سهيل على مسابقة وزارة الثقافة والسياحة اليمنية حول "طوفان الأقصى وجهود الإسناد والمقاومة"، بالقول إنها تمثل امتدادا طبيعيا لمبادرة "خيامنا محطة صبر لميلاد الفجر القادم"، مؤكدا أنها توفر مساحة أوسع للشباب العربي للتعبير عن هويتهم الوطنية وقضيتهم عبر الأدب والفن والإبداع.
وأضاف، ننظر إلى هذه المسابقة باعتبارها منصة جديدة تمنح المشاركين فرصة لتوسيع دائرة إبداعهم ونقل الرواية الفلسطينية الحقيقية للعالم. لافتا الى ان الدعم الرسمي اليمني يعكس فهم الجهات المختصة لأهمية الثقافة والأدب كجبهة مقاومة موازية لمختلف أشكال الدعم الأخرى.

واكد أن استمرار هذه الفعاليات يتيح للجيل العربي والفلسطيني صقل مواهبه، ويمنحه القدرة على تحويل التحديات اليومية إلى إبداع ورسالة أمل، كما يعزز حضور القضية الفلسطينية في الوعي العربي والعالمي.
وفي إعلانها عن الدورة الأدبية الأولى في أدب القصة القصيرة، أطلقت وزارة الثقافة والسياحة اليمنية المسابقة لمختلف الفئات العمرية في الوطن العربي والإسلامي، خلال الفترة الممتدة من مايو الفائت وحتى 7 أكتوبر 2026، في رسالة ثقافية واضحة تهدف إلى تحويل تاريخ 7 أكتوبر إلى محطة رمزية في الأجندة الثقافية العربية والإسلامية، باعتباره موعدا لتجديد الحضور الأدبي للقضية الفلسطينية وتعزيز إنتاج الرواية الإبداعية المرتبطة بها.

