فلسطين أون لاين

"حرق في قلبي".. صرخة أم مصابة وطفليها تحت حصار غزة

...
أم عمر تجلس بجوار طفلتها التي تعاني من شلل دماغي
غزة/ عبد الرحمن يونس:

على رصيف شارع النفق، في مدينة غزة، حيث يختلط غبار الركام برائحة مياه الصرف الصحي لا تحتاج لأن تبحث كثيراً لتعرف كيف نكّد الاحتلال حياة البشر؛ فالبيوت المدمرة والوجوه الشاحبة تخبرك بكل شيء قبل أن ينطق أصحابها.

هناك، وفي مكان غير صالح للسكن الآدمي، تقع شبه غرفة تلم شتات عائلة "أم عمر النعيزي"، التي لم تترك الحرب في أجسادهم بقعة سليمة، ولم تترك في قلوبهم متسعاً لجرعة فرح واحدة بعد أن حاصرهم التجويع، والمرض، وغدر القصف، لتتحول حياتهم إلى جحيم يومي يبحثون فيه عن أدنى مساعدة تطفئ نار قهرهم.

"حرق في قلبي"

تقول أم عمر لصحيفة "فلسطين": "كنا عائلة مستورة، نعيش ونعيل بعضنا بعضاً، نتقاسم لقمة العيش بالرضا، حتى جاء هذا القصف اللعين وقلب حياتنا رأساً على عقب، لتصبح حياتنا سوداوية تماماً بعد أن أصبت أنا وابني في نفس اللحظة".

وتضيف :"أعيش اليوم بقدم يمسكها الحديد والبلاتين، وتملأ الحروق الشديدة كل أنحاء جسدي، لكن الحرق الأكبر ليس في جلدي بل في قلبي على ابني الشاب الذي بترت قدمه أمام عيني، وتحول من سند لي ولأبيه إلى مصاب بحاجة لمن يرفعه عن الأرض، وأنا مقهورة على نفسي وعلى عجزنا، لأنني لا أستطيع أن أخدم نفسي، ولا خدمة ابنتي المريضة، ولا حتى القيام بأعمال هذا المكان البائس الذي نعيش فيه".

طفلة لا تقوى على المرض

وتصمت أم عمر قليلاً لتلتقط أنفاسها، ثم تنظر بطرف عينها إلى طفلتها الصغيرة ذات العشر سنوات، والتي ترقد بجانبها بلا حراك، " بنبرة يملأها البكاء: "عمرها عشر سنوات، ولدت بنقص أكسجين في الدماغ، وبقيت منذ ولادتها تعاني من شلل دماغي كامل يحتاج إلى رعاية ودعم على مدار الساعة، وفوق هذا كله لديها زيادة كبيرة في كهرباء الدماغ تسبب لها تشنجات مستمرة لا تقوى طفلة في عمرها وجسدها الضعيف على تحملها.

وتتابع: "أصعب وأقسى اللحظات على قلبي عندما تبدأ في التشنج أمامنا، يتصلب جسدها الصغير وتغيب عن الوعي، والطبيب دائماً يقول لي إن زادت عليها هذه الحالة يجب أن تنقلوها فوراً إلى المستشفى لأن التشنج في البيت خطر على حياتها، لكنني أقف أنا وأبوها عاجزين تماماً".

وتردف: "فالحال ضيق لدرجة أننا لا نملك ثمن مواصلة أو سيارة تنقلها إلى مستشفى الرنتيسي للأطفال، فنضطر كارهين وخائفين أن نتعامل مع التشنج داخل هذا المكان غير الصالح للسكن وعلى عاتقنا الشخصي، ونحن نعلم أننا قد نفقدها في أي لحظة، لكن قلة الحيلة والفقر والحصار يجبروننا على هذا المر العلقم".

وتسترسل الأم في شكواها، لتصف العبء المادي والصحي الخانق الذي يفرضه مرض طفلتها في ظل انعدام المساعدات والظروف المعيشية القاسية في غزة، قائلة: "ابنتي ملاك تحتاج إلى طعام خاص جداً يلائم حالتها الصحية، لأنها لا تستطيع هضم أي طعام، وتحتاج لحليب وأدوية معينة لمنع التشنجات، وفرشة طبية تقي جسدها النحيل من الجروح وقرح الفراش بسبب نومها الدائم، وفوق هذا كله، هي تحتاج كل ثلاثة أيام إلى عبوة حفاضات خاصة، تكلفتها اليوم في الأسواق تصل إلى ثمانين شيكلاً".

وتتساءل: "من أين لنا بهذا المبلغ ونحن لا نجد ثمن ربطة الخبز؟ لقد جاء فصل الصيف الحار، وأنا حتى هذه اللحظة لا أستطيع توفير ملابس صيفية خفيفة لها أو لإخوتها بسبب ضيق الحال التام، والاحتلال بحصاره وقصفه المستمر حرمنا من كل مقومات الحياة، وقطع عنا خطوط الدعم والرعاية الطبيعية".

"شهور أكلت من عافيتي"

تتابع أم عمر النعيزي حديثها باستذكار أشد الفترات ظلاماً وألماً مرت عليها خلال هذه الحرب، حيث تقول وعبراتها تخنق صوتها: "عندما أصبت وبترت قدم ابني، أخذوني إلى المستشفى وبقيت هناك غائبة عن الوعي ومستلقية على سرير العلاج لأكثر من سبعة أشهر متواصلة، عشت فيها قطعة من الجحيم، بعيدة عن ابنتي ملاك ولا أعلم عنها شيئاً؛ هل هي جائعة؟ هل تشنجت؟ هل ماتت تحت القصف؟ كانت شهوراً أكلت من عافيتي وصحتي.

وتكمل: "اليوم خرجت، والوضع أصبح أسوأ بكثير، نحن عائلة كاملة أصبحت بحاجة للرعاية بعد أن كنا نسند بعضنا، والاحتلال نكّد عيشنا ودمر مستقبل أولادي، ونحن الآن نطلق صرخة عبر صحيفتكم لكل ضمير حي، نحن بحاجة لأدنى مساعدة، نحتاج لطعام الطفلة، وحفاضاتها، وعلاجها، وثمن مواصلات المستشفى، وأطراف صناعية لابني، فالحمل أصبح أكبر من جبال غزة، ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن ظلمنا ونكّد حياتنا وحرم أطفالنا من أبسط حقوقهم الإنسانية".

المصدر / فلسطين أون لاين