فلسطين أون لاين

عمهم لـ "فلسطين": النار كانت شديدة ورميت أطفالي من الغرفة المجاورة لإنقاذهم

مجزرة عائلة "المصري".. صرخة 4 أطفال أسكتتها نيران استهداف إسرائيلي

...
جثامين عالة المصري المتفحمة جراء القصف الإسرائيلي
غزة/ يحيى اليعقوبي:

على مدار دقائق ظل الأطفال نعيم (14 سنة) فراس المصري وشقيقاته: فريال (12 سنة)، وسلمى (10 سنة)، وأميرة (6 سنوات) يصرخون على قضبان حماية نافذة منزلهم يطلبون المساعدة والنجاة، ويلوحون وينادون ليخبروا الجميع بأنهم أحياء، في أثناء محاصرتهم من نار هائلة اشتعلت في شقتهم بعد انفجار طائرة انتحارية إسرائيلية استهدفت غرفة نوم والديهم قبل أن تتمدد النيران لبقية أجزاء الشقة الواقعة قرب مفترق السامر بمدينة غزة الساعة الثالثة فجر الثلاثاء الموافق 21 يوليو/ تموز 2026.

بعد دوي الانفجار وتطاير الشظايا والغبار،  فتح عمهم محمد المصري الذي يسكن بالجزء الغربي من الشقة والواقعة في الطابق الأول عيناه ليجد النار تحاصرهم أيضًا وتشتد سريعا لتكل الفراش والأثاث، استخدم ست دلاء مياه وهي كل ما تملكه العائلة في محاولة للوصول للأطفال شقيقه الذين كانوا يصرخون ولا يفصله عنهم سوى جدار غرفة وباب.

لم تكفِ الدلاء لفعل شيء مع التمدد السريع للنار الذي ساعد وجود أثاث في المنزل على زيادة الاشتعال، ولم تنجح محاولته لكسر الباب الفاصل بين الغرفتين في الوصول للأطفال، مع تصاعد اللهب الذي بدأ بالوصول لغرفته التي يوجد فيها هو وزوجته وأمه وأطفاله، فلم يكن أمامهم سوى فرصة وحيدة للنجاة وهي بالقفز من النافذة التي تسبب قوة الانفجار بفتح قضبان الحماية، فرمى أطفاله وزوجته وأصيبوا برضوض لم "تساوِ شيئا كما يقول أمام بشاعة المجزرة وقسوة الحدث" في استطاع إنزال أمه بواسطة سلم.

وكذلك لم تستطع طواقم الدفاع المدني التي وصلت المكان إخماد النار والسيطرة على الحريق إلا بعد ثلاث ساعات، في عجزٍ آخر يفرضه الاحتلال بمنع إدخال معدات الدفاع المدني وسيارات الإطفاء، إذ تعاملت الطواقم بما تمتلكه من شجاعة وإمكانيات محدودة في إطفاء الحريق.

WhatsApp Image 2026-07-21 at 8.28.52 PM.jpeg
 

مع اشتداد النيران التي وصلت لأجساد الأطفال، توقفت أصواتهم وصمتت وذابت أجسادهم التي تمكنت الطواقم بعد ساعة ونصف من الحريق ومحاولات الإطفاء من انتشالهم.

في مشرحة الجثامين بمستشفى الشفاء، وقف المصري أمام أربعة جثامين متفحمة بالكامل وجثماني شقيقه وزوجة أخيه وتدعى سلسبيل المصري اللذان منع الردم والركام الذي غطى جثتيهما من احتراقهما.

لحظة دامية

 كانت أمامه مهمة قاسية في التعرف على جثامين أطفال شقيقه، ففتح الأكفان ونظر للجثامين المتفحمة التي غابت فيها ضحكات الأطفال التي كان يراها قبل ساعات من القصف وبراءتهم لتبدو الأجسام بهذا الشكل القاسي الذي لم يتحمل رؤيته: "كانت لحظات دامية لكنها فرضت علي لتحديد هوياتهم، واستطعت ذلك من خلال حجم جسد كل واحد فيهم" يحكي المصري لصحيفة "فلسطين" وهو يجلس في بيت العزاء، بعيون دامعة، وبقلب مثقل بوجع الفقد وقسوة الرحيل.

ويعيد سر التفاصيل، وهو يتوقف أمام مشهد دامٍ قائلا: "عندما وقع الاستهداف كان أطفال أخي على قيد الحياة، في البداية لم أسمع صوتهم، رغم أنهم بالغرفة المجاورة لنا ولا يفصلني عنهم سوى باب وجدار الغرفة، فحاولت كسر الباب لكن وجدت نارا كبيرة. أحضرنا ست دلاء ولم تفعل شيئا، ومع تقدم النار نحونا وجدت قضبان حماية بالنافذة مفتوحة ما أعطانا فرصة للقفز من الطابق الأول فرميت أطفالي وزوجتي وامي وكان هذا الخيار الوحيد للنجاة".

WhatsApp Image 2026-07-21 at 8.28.52 PM.jpeg
 

وراء صوته وملامحه يختبئ الألم: "لو بقينا دقائق أخرى كنا سنتفحم مثل عائلة أخي ولم يفصلنا عن النجاة سوى خمس دقائق. كان المشهد مرعبا والنار كبيرة وأكبر من قدرتنا على التعامل معها، حتى طواقم الدفاع المدني التي وصلت بسيارتين وساعدتها صهاريج من البلدية واجهت العديد من المشاكل، رغم الجهود التي بذلوها".

يستذكر اللحظات التي حاول فيها تحدي النيران أمام النداء المتواصل من خلف اللهب: "عندما كسرت الباب دخلت علينا نار أكبر وبدأنا نختنق من اللهب، وعندما اشتدت النار حتى طواقم الدفاع المدني كانت تطفئها من مسافة خمسة أمتار".

اللحظات الأخيرة

في يومهم الأخير عاشت العائلة يومًا عائليًا، سرد خلاله "نعيم" ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم، فحفظ القرآن كاملا قبل عام ونصف وكان يقوم بتثبيته وكان يطمح أن يصبح مهندسا مثل والده، بينما ظلت فريال تمارس هوايتها المفضلة بالرسم ووجدت آثار ألوان متناثرة بجانبها لحظة الحريق، يقول عمها: إنها "كانت تحب الرسم وحصلت على دورات عديدة فيها، وكانت ترسم بيوتا وشخصيات في تعبير عن الحياة".

أما سلمى فكانت تحب لعبة "الخرز" وتصمم أشكالا للأسوار والعقود من قطع الخرز وتقدم هدايا لصديقاتها، ويحكي بقلب مكسور: "كانت تلعب مع طفلتي بالخرز، وكانتا تمارسن طفولتهن بهذه الألعاب".

لم تكن أصغر الأبناء أميرة ابنة الست سنوات بمعزل عن حالة الفرح والطموح التي تعيشها العائلة، فتخرجت من رياض الأطفال قبل أسبوع وكانت سعيدة أنها ستدرس في الصف الأول، "كان أبناء أخي سعداء أن البنات سيدرسون في مدرسة واحدة وكانوا في حالة حماس لبدء الموسم الدراسي مطلع شهر أغسطس القادم".

WhatsApp Image 2026-07-21 at 8.28.52 PM2.jpeg
 

وفراس المصري (33 سنة) درس الهندسة بالجامعة الإسلامية، تميز بأخلاقه العالية، وهو الشقيق الوحيد لمحمد من الذكور والإناث، حيث ولد فراس في 5 يناير/ كانون ثاني 1993 بينما ولد شقيقه محمد في 23 ديسمبر/ كانون أول من عام 1993، وعاشا مثل التوأم، يصفه بأنه "حكيم وسديد الرأي صاحب إيمان عالٍ. طوال الحرب كان يهون علينا الأمور ويرفع معنوياتنا رغم مرارة وصعوبة الحياة".

لم تكن مجزرة أمس هي المجزرة الأولى في المنزل، ففي 30 آب/ أغسطس 2025 استهدف جيش الاحتلال الطابق الثاني للمنزل وهو يعود لمحمد أدى القصف لاستشهاد زوجته الأولى التي أصيبت واستشهدت بعد شهرين من الإصابة، واستشهدت من القصف طفلة شقيقه فراس الرضيعة "يمنى" ولم يزد عمرها عن عام، ولدت في الحرب واستشهدت فيه.

منذ عام كان شقيقه الشهيد دائما يستذكر طفلته الصغيرة، وأمضى الأشهر حزينا عليها كونها استشهدت في حضنه، فكيف لو علم أن أطفاله الثلاثة استشهدوا حرقًا، أكلتهم النار ولم يسمع صوت صرخاتهم طلبا للنجاة، وهو الذي كان ينام شهيدا يغطيه الركام في الغرفة المجاورة لهم، في قصة تجسد قسوة الإبادة المتواصلة وشلال الدم النازف الذي تعيشه غزة وعائلاتها.

المصدر / فلسطين أون لاين