في منزلٍ لم يعد يشبه ما كان عليه، وبين جدران أنهكتها حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، كانت عائلة أحمد تحاول أن تستعيد شيئاً من حياتها بعدما نزحت قسرا بين مناطق القطاع، بحثاً عن مكان أكثر أمناً.
لكن القصف الإسرائيلي أعاد إليهم الموت، فاستشهد أفراد الأسرة الأربعة، الأب والأم وطفلتاهما، في جريمة أودت بحياة عائلة كاملة وشطبتها من السجل المدني.
والشهداء هم الأب مؤمن عبد الرحمن أحمد، والأم حنين موسى فارس صالح، وابنتهما لانا، 12 عاماً، وابنتهما بانا، 8 أعوام، وهم من سكان مشروع بيت لاهيا شمالي القطاع.
ليلة دامية
ويروي زهير الهيمصي، أحد سكان المنطقة أن الأهالي عاشوا ليلة دامية، بعدما سمعوا قرابة الساعة الحادية عشرة مساء الأربعاء إطلاق نار كثيفاً استهدف السكان والخيام والمنازل حينما كانوا نياماً ويحلمون بغد أفضل.
ويقول الهيمصي، لصحيفة "فلسطين" إن إطلاق النار استمر قرابة ساعة ما دفع المواطنين إلى مغادرة المنطقة وتهجيرهم منها، قبل أن تتصاعد حدة إطلاق النار والقصف، في ساعات الليل المتأخرة.
ويضيف أن منزل عائلة "أحمد" يقع بالقرب من مستشفى كمال عدوان، وعلى مسافة تقدر بنحو 200 متر من المنطقة المسماة "الخط الأصفر"، مشيراً إلى أنه بعد الساعة الثانية فجراً تعرض المنزل لقصف من طائرات "الإف16" الإسرائيلية، ما أدى إلى استشهاد الأب والأم وطفلتيهما.
لم يكن أفراد الأسرة يحملون سلاحاً، ولم يكونوا في موقع مواجهة، بل كانوا نائمين داخل منزل تعرضت أجزاء كبيرة منه للدمار خلال الحرب قبل أن يقرروا العودة إليه والإقامة فيه بدلاً من الخيام.
ويتابع الهيمصي: إن الاحتلال يواصل صياغة وترويج الروايات والتبريرات لتغطية استهداف الفلسطينيين، ففي الواقع، إن عائلة "أحمد" كانت أسرة مدنية تقيم داخل منزلها ولم تشكل خطراً على أحد.
ويؤكد أن ما يجري على الأرض لا يتطابق مع الحديث عن وقف إطلاق النار، قائلا: "إن القصف وإطلاق النار ووقوع الشهداء والجرحى يتواصل"، متسائلا عن موقف المجتمع الدولي من الجرائم التي ترتكب بحق المدنيين في القطاع.
ويطالب رعاة اتفاق وقف إطلاق النار بتحمل مسؤولياتهم، واتخاذ موقف واضح وفعلي للضغط على الاحتلال ووقف المجازر وجرائم الإبادة الجماعية بحق أبناء الشعب الفلسطيني.
عادوا لمنزلهم
في حين يقول محمد صالح، وهو أحد أقارب الشهيدة "حنين": إن العائلة فوجئت باستشهاد أقاربهم الأربعة، مؤكداً أنهم مدنيون أبرياء ولم يشكلوا خطراً على أحد.
ويوضح صالح لصحيفة "فلسطين" أن الأسرة عاشت ظروف النزوح القاسية خلال الحرب، وتنقلت بين محافظات القطاع، قبل أن تعود مؤخراً إلى مشروع بيت لاهيا للإقامة في منزلها، رغم الدمار الكبير الذي لحق بأجزاء منه.
ويشير إلى أن العائلة فضّلت العودة إلى المنزل لأن الخيام لم تعد توفر الحماية من حر الصيف وبرد الشتاء ولأنهم شعروا أن العودة إلى منزلهم قد تكون أكثر أمناً مع الحديث عن وقف إطلاق النار، مردفا: لكن القصف الإسرائيلي حوّل المنزل إلى مكان للموت وأنهى حياة أفراد الأسرة الأربعة دفعة واحدة.
ويتابع: أن فراد العائلة لم يتوقعوا أن تطالهم يد القتل داخل منزلهم، متسائلا : أين العالم مما يتعرض له سكان قطاع غزة؟، وأين الدول الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار من هذه الجرائم؟".
ويردف أن استمرار استهداف العائلات الفلسطينية يعكس غياب أي حماية حقيقية للمدنيين في وقت تتواصل فيه الجرائم على مرأى ومسمع من العالم.
ويطالب المجتمع الدولي بوقف سياسة الكيل بمكيالين والوقوف إلى جانب سكان القطاع، والعمل على حمايتهم من جرائم الإبادة الجماعية التي تتواصل يوميا.
عملاء الاحتلال
وفي موازاة القصف الإسرائيلي، تحدث سكان المنطقة عن تحركات لقوات مسلحة ومليشيات مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي في شمالي القطاع، في وقت تواصل فيه قوات الاحتلال توفير الغطاء الناري والجوي لهذه التحركات.
وبحسب ما نقله السكان ووسائل إعلام محلية، وقعت قوة مسلحة مكونة من ثلاث مركبات دفع رباعي تابعة لتلك المليشيات في حقل ألغام في أثناء تقدمها باتجاه معسكر جباليا شمال القطاع.
وأفادت المصادر ذاتها بأن ذلك تزامن مع تحليق مكثف للطيران الإسرائيلي في أجواء المنطقة وتوفير تغطية جوية لموقع وجود المليشيات التابعة للاحتلال.
وفي ساعات الليل، حاولت قوة من مليشيات وعملاء مرتبطين بالاحتلال، وفق إفادات سكان المنطقة، التقدم باتجاه ساحة الخلفاء الراشدين في مخيم جباليا.
وقال السكان إن مقاومين استهدفوا القوة بإطلاق نار كثيف، قبل أن يتدخل الاحتلال الإسرائيلي مستخدماً نيرانه وقنابل الإنارة لتأمين انسحابها من المنطقة.
وجاء ذلك مع استمرار الجرائم الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بوساطة ورعاية دولية وإقليمية، فيما يؤكد سكان القطاع، أن الاتفاق لم ينعكس على حياتهم اليومية وأن القتل والقصف والاستهداف ما زال حاضرا.
وبحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، وصل إلى مستشفيات القطاع خلال 24 ساعة 7 شهداء و25 إصابة.
وأفادت الوزارة بأن حصيلة الشهداء منذ إعلان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر/تشرين الأول ارتفعت إلى 1358 شهيداً، إضافة إلى 4541 مصاباً، فيما بلغ عدد حالات الانتشال 831 شهيداً.
ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية على القطاع، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ارتفع عدد الشهداء، وفق الوزارة، إلى 73,669 شهيداً، في حين بلغ عدد المصابين 174,652 مصاباً.

