تُعد أزمة السكن وارتفاع الإيجارات من أكثر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية إلحاحًا في قطاع غزة خلال هذه الأوقات الصعبة، ولا سيما في وجود الأضرار الواسعة التي لحقت بالمنازل والوحدات السكنية، وانتقال أعداد كبيرة من الأسر للبحث عن مساكن بديلة في مناطق تتوافر فيها إمكانية السكن والخدمات الأساسية.
اقتصاديًا، يقوم سوق الإيجارات على معادلة العرض والطلب، وعندما يتراجع عدد الوحدات السكنية المتاحة مقابل ارتفاع كبير في عدد الباحثين عن مسكن، تكون النتيجة الطبيعية ارتفاع الأسعار. إلا أن المشكلة في غزة أكثر تعقيدًا، لأن ارتفاع الإيجارات يتزامن مع تراجع الدخول، وفقدان الكثير من فرص العمل، واستنزاف مدخرات الأسر، ما جعل الحصول على مسكن مناسب يشكل عبئًا يفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين.
وأصبح بند الإيجار يستحوذ على نسبة كبيرة من ميزانية الأسرة الشهرية، وهو ما ينعكس مباشرة على بقية الاحتياجات الأساسية. فالأسرة التي تضطر إلى تخصيص جزء كبير من دخلها للسكن ستكون أمام خيارات صعبة تتعلق بتقليل الإنفاق على الغذاء أو التعليم أو الصحة أو الملابس والمواصلات. وهنا تتحول أزمة السكن من مشكلة عقارية إلى مشكلة اقتصادية تمس مختلف جوانب الحياة.
كما أن الأزمة لا تتوقف عند ارتفاع قيمة الإيجار، بل تمتد إلى ارتفاع تكاليف تجهيز المسكن، وصيانة الوحدات المتضررة جزئيًا، ونقل الأثاث، وتوفير المياه والطاقة والاحتياجات المنزلية الأساسية. وفي بعض الحالات، قد تضطر أكثر من أسرة إلى الإقامة في مسكن واحد لتقاسم التكاليف، بما يفرض ضغوطًا اجتماعية ومعيشية إضافية.
ومن ناحية أخرى، فإن معالجة أزمة السكن يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى أحد محركات التعافي الاقتصادي في غزة. فإعادة إعمار الوحدات السكنية وترميم المنازل المتضررة ستنشط قطاعات المقاولات والهندسة ومواد البناء والنقل، وستوفر فرص عمل للعمال والفنيين والمهندسين، وتحرك العديد من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بقطاع الإنشاءات.
لذلك، فإن *التعامل مع أزمة السكن يتطلب رؤية تتجاوز تقديم المساعدات المؤقتة، من خلال برامج لدعم الإيجار للأسر الأكثر احتياجًا*، وترميم المساكن القابلة للإصلاح، وزيادة المعروض السكني، ووضع برامج تمويل وإعمار تراعي الظروف الاقتصادية للمواطنين.
في النهاية، يبقى *السكن حاجة أساسية وليس رفاهية. واستقرار الأسرة الفلسطينية داخل مسكن آمن ومناسب يمثل خطوة أساسية نحو استعادة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وتهيئة الطريق لمرحلة التعافي وإعادة إعمار قطاع غزة*.

