في التاسع عشر من فبراير/شباط 2023، كان بيت الحاج فضل نعيم، المكوّن من ستة طوابق والواقع على دوّار دولة في شارع صلاح الدين بحي الزيتون جنوب مدينة غزة، مكتظًا بسكّانه وبعض الجيران والأقارب.
لم يأتِ هؤلاء للاحتماء من القصف، بل لمواساة عبير نعيم (55 عامًا)، أمّ فضل، في استشهاد نجلها فادي، الذي قُتل في الثاني من الشهر ذاته في أثناء عمله في مستودع أدوية تابع لوزارة الصحة.
مع حلول الليل، لم يبقَ في الأجواء سوى أزيز الطائرات وهدير الدبابات، واستعد الجميع للنوم، دون أن يدركوا أن هذه الليلة ستكون الأخيرة لكثيرين منهم.
البيت قبل أن يتحول إلى مقبرة
في الطابق الأول كان يقيم الحاج فضل، البالغ من العمر 75 عامًا، وفي الطوابق العلوية توزعت العائلة الكبيرة: عبير وزوجها ناهض، وأبناؤها وأحفادها، وسلفتها مع زوجها وأطفالها في الطابق الثالث، إضافة إلى جارتها وأطفالها.
كان بينهم أحمد، ابن سلفتها البالغ 16 عامًا، الذي تركه والداه أمانة لدى عبير بعد سفرهما إلى مصر قبل الحرب لإجراء عملية زراعة أطفال أنابيب، قبل أن يُغلق المعبر ولا يعودا.
الساعة الثانية عشرة منتصف الليل
عند منتصف الليل، انهالت الصواريخ على بيت نعيم، ولم يستغرق الأمر سوى ثوانٍ حتى انهارت الطوابق الستة فوق رؤوس من فيها.
تروي عبير: "لم أسمع صوت القصف… شعرت فقط أن البيت انطبق علينا دفعة واحدة".
سقط باب خشبي على جسدها فحبسها تحت الركام، أما أحمد فحماه جدار انهار فوقه من الشظايا. كانت عبير في كامل وعيها، ترى أسياخ الحديد تنطلق من الصواريخ، "كأنها مناشير تذبح الأجساد بمجرد لمسها".
حولها، كان الجميع مصابين. برك الدماء في كل مكان، أطفال، رجال، ونساء يصرخون من الألم ويطلبون الماء.
مشاهد لا تُنسى
كان زين، آخر العنقود لعبير، ينام إلى جوارها. شاهدته ينزف، يشد ملابسها، ولا يقوى على الكلام، كأنه يستنجد بها.
أما محمد، الذي كان ينام في السرير المقابل، فقد أُصيب في رأسه وظل يصرخ بأعلى صوته: "تشاهدوا… تشاهدوا"، حتى نطق الشهادتين، ورفع سبابته، وأسلم روحه.
تقول عبير: "كنت أراهم يموتون واحدًا تلو الآخر… وأنا لا أستطيع الحركة".
كانت قادرة فقط على تقليب جسدها يمينًا وشمالًا، بينما كان زوجها ناهض يناديها طالبًا الماء، وكانت هي تناديه، مترجيةً أن يأخذ راتب محمد (800 شيقل) من جيبها، خوفًا من أن تستشهد ولا تتمكن من إعطائه إياه.
أطفال بلا ماء
الطفل أحمد ماهر، ذو الثمانية أعوام، كان الوحيد الناجي من عائلته المكوّنة من 11 فردًا.
كان يسمع أنين والدته، وهي تنادي بناتها شيرين وآلاءچ وتطلب الماء، وحين خفت صوتها بدأ يصرخ باكيًا مستنكرًا: "لماذا لم تلبّي أختاه نداء أمهما؟"
لاحقًا، نادى عمه ناهض بصوت خافت: "عمو… بدي أكل، أنا جعان"، دون أن يعلم أن عمه كان ينزف في لحظاته الأخيرة.
بعد أن شاهد أسرته تموت أمام عينيه، زحف بين الركام حتى وصل إلى زوجة عمه، التي احتضنته باكية، وسحبت غطاءً من تحتها ولفّته به لتحميه من البرد.
الموت البطيء
في اليوم الثالث، لفظ ناهض زوجها أنفاسه الأخيرة، وتأكدت عبير من ذلك حين انقطع صوته تمامًا.
بقيت تحتضن أحمد، تتشبث بالأمل، ولسانها لا يفارق الذكر ونطق الشهادتين. كانت الجثث تتحلل أمام عينيها: "رأيت الدود يخرج من أجسادهم… رأيت عيون الشهداء تتساقط، وبصيلات شعرهم، ورؤوسهم كأنها بالونات".
من بين الركام، وجدت عبير حافظة ماء مكسور الزجاج، أزالت بعض القطع وملأت كفها بالماء، لتبلل شفتي أحمد وشفتيها، كما وجدت علبة حليب وسيريلاك تخص حفيدها الرضيع عصام، الذي انقسم جسده نصفين أمامها. كانت تضع قليلًا منه في راحة يدها، تطعم أحمد ثم نفسها، لتبقيا على قيد الحياة.
شهادة على الجرائم
كانت عبير تسمع أصوات جنود الاحتلال وجنازير دباباتهم، وتناديهم مستعطفة أن يجلبوا لها ماءً أو خبزًا.
أحدهم ردّ: "الحرب ستطول… لن نساعدك".
شاهدت تبدّل الجنود يوميًا، يفطرون أشهى الأطعمة، ويرفضون إعطاءها أو الطفل شيئًا. وعندما كان أحمد يبكي، كانوا يصرخون عليها لإسكاته، ثم يشغّلون المدفعية كي لا يسمعوا صوته.
كما كانت شاهدة على تعذيب معتقلين من عائلة دولة: "لم أكن أنام من صراخهم… كانوا يسكبون الماء الساخن على جسده، ويضربون رأسه بالحائط." ورأت إعدام الدكتور محمود دولة، والرجل المسن مظفر، وشابين آخرين برصاص قناص إسرائيلي في الشارع.
اثنا عشر يومًا من الانتظار
كان الهاتف المحمول بيد عبير وبطاريته لا تتجاوز 2%. أرسلت رسائل استغاثة إلى ابنها فضل وبناتها الثلاث في الجنوب، تخبرهم أنها تحت الأنقاض، وأن جميع من في البناية قد استشهدوا.
كانوا يطمئنونها: "يومان وسينسحب الجنود"، لكن اليومين امتدا إلى اثني عشر يومًا.
مع انسحاب دبابات الاحتلال من دوّار دولة، سمع الجيران بكاء عبير، وأبلغوا ابنها فضل، الذي هرع إلى المكان منادياً: "يما… أنا فضل… ارفعي صوتك".
صرخت بكل ما بقي فيها من قوة: "أنا هون يما."
بدأ فضل بإزالة الركام حتى وصل الدفاع المدني، حطموا الأنقاض بأيديهم ومعدات بسيطة، حتى فتحوا فتحة صغيرة. ألقوا سلك كهرباء، وربطت عبير خصر أحمد به، فانتشلوه أولًا، ثم أعادوا السلك لها وسحبوها.
نُقلا إلى مستشفى المعمداني، حيث مكثا 12 يومًا. كان أحمد في حالة حرجة، "هيكلًا عظميًا"، شكك الأطباء في قدرته على النجاة، لكنه تمسك بالحياة.
ما بعد النجاة
أُصيب أحمد بصدمة نفسية حادة، وتأتأة، وخوف دائم من أصوات القصف. خضع لجلسات علاج نفسي طويلة، وكذلك عبير.
فقدت 35 فردًا من عائلتها، تحللوا أمام عينيها. تقول عبير: "كنت ألبس ملابس أحفادي للوسائد والكراسي، وأجلس بينهم وأكلمهم… إلى أن انهارت."
بعد عامين، تضيف عبير وهي تبكي: "بيت بنيته في أربعين سنة دُمّر في لحظة. وأبناء ربيتهم بدموع عيوني خطفتهم صواريخ احتلال يريد إبادة كل ما هو فلسطيني، والعالم يتفرج علينا بلا مبالاة. أصبحنا أرقامًا… لا ناصر لنا إلا الله."
هذه قصة أم قضت اثني عشر يومًا بين الجثث، وخرجت شاهدة على إبادة جماعية لا تزال فصولها تُكتب بدم المدنيين.

