في اللحظة التي ترفع واشنطن راية السلام فوق ركام غزة، تُشهر "تل أبيب" فوهات مدافعها في وجه أي احتمال للتهدئة، مشهدٌ مزدوج تتقاطع فيه هندسة الوصاية الأمريكية مع انفلات الاحتلال الصهيوني من أي التزام قانوني أو أخلاقي، في معادلة تقوم على إدارة الصراع لا إنهائه، وتدوير النار لا إطفائها.
إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه تشكيل "مجلس سلام" لقطاع غزة لا يمكن قراءته خارج سياق إعادة إنتاج الهيمنة بصيغة إنسانية مزيفة، تُسَوِّق الاحتلال باعتباره طرفاً في عملية سياسية، لا كقوة استعمارية تمارس حرب إبادة مفتوحة، في المقابل يتقدّم قرار المقاومة بحلّ الحكومة في غزة وتوجيه المؤسسات للجهوزية لتسليم مهامها للجنة تكنوقراط فلسطينية باعتباره فعلاً سيادياً استباقياً، يقطع الطريق على مشاريع الانتداب الدولي المقنّع، ويعيد تعريف مفهوم الانتقال السياسي تحت النار.
لكن بينما تُدار غزة على طاولة الغرف المغلقة في واشنطن، تُدار دماء أهلها على الأرض بقرار صهيوني منفلت من أي ضوابط، خروقات متواصلة، اغتيالات ممنهجة، قصف انتقامي، وحصار يتغذّى على سياسة العقاب الجماعي، في ظل هدنة بلا ضامن وسلام بلا سيادة.
هنا، لا يعود السؤال: هل يُراد لغزة أن تدخل مرحلة سلام؟ السؤال النابع من الواقع الحقيقي يقول: أي سلام يُصاغ فوق المقابر الجماعية؟ وأي دولة تُبنى تحت جنازير الدبابات؟ وأي وصاية تُقدَّم بوصفها خلاصاً بينما هي إعادة إنتاج للاحتلال بأدوات ناعمة؟
غزة اليوم مختبر لإعادة هندسة القضية الفلسطينية، بين مشروع أمريكي لإدارة الركام، واحتلال يراكم الجرائم، ومقاومة تُعيد ترتيب المشهد السياسي من موقع الفعل لا ردّ الفعل.
مجلس سلام أم مجلس وصاية؟
حين تتحدث واشنطن عن "مجلس سلام" لغزة، فهي لا تستدعي مفردة السلام من معجم القانون الدولي، هي تستدعيه من قاموس الهيمنة المُقنّعة، سلام يُراد له أن يكون إدارة للركام لا إنهاءً للاحتلال، وضبطاً للميدان لا تحريراً للأرض، إنه سلام الصيغة الأمريكية: هندسة سياسية فوق أنقاض الإبادة، تُدار فيها غزة كملف أمني-إنساني لا كقضية تحرير وطني.
المشروع المطروح لا ينفصل عن تقليد استعماري قديم يقوم على إعادة التموضع بدل الانسحاب، وعلى تبديل الجنود بالخبراء، والدبابات باللجان، والاحتلال المباشر بالوصاية الدولية، ما يجري تسويقه بوصفه "مرحلة انتقالية" ليس سوى انتداب جديد بثوب تكنوقراطي فلسطيني منزوع السيادة، تُدار فيه المؤسسات بلا قرار، وتُدار الحياة بلا أفق، وتُدار السياسة تحت سقف الاحتلال.
الحديث عن "إدارة غزة ما بعد الحرب" يفترض ضمناً أن الحرب انتهت، بينما الوقائع الميدانية تؤكد أن الاحتلال ما زال يدير سياسة النار المفتوحة: قصف لا يتوقف، اغتيالات ممنهجة، شهداء يرتقون يومياً، معبر مغلق على مرأى ومسمع من واشنطن، وحصار يُستخدم كسلاح تفاوضي لا كجريمة حرب مستمرة.
في هذا المشهد، تبدو الولايات المتحدة شريكاً في هندسة المشهد الجديد: إدارة الدم بالسياسة، وإدارة السياسة بالقوة، وإعادة إنتاج السيطرة الصهيونية بصيغة دولية ناعمة، هكذا تتحول غزة إلى مختبر للوصاية المعاصرة، حيث يُعاد تدوير الاستعمار تحت عناوين إعادة الإعمار، والاستقرار، وبناء المؤسسات.
من الانتداب البريطاني الذي مهّد لزرع الكيان، إلى الانتداب الأمريكي الذي يسعى اليوم إلى حمايته من تبعات جرائمه، تتكرر المعادلة ذاتها: فلسطين تُدار وتُضبط ويُعاد تعريفها كملف إنساني لا كقضية شعب تحت الاحتلال.
تفكيك الحكومة في غزة، قرار سيادي أم استجابة لميزان القوة الدولي؟
في خضم هذا المشهد المتفجّر، جاء قرار حلّ الحكومة في غزة وتوجيه المؤسسات للجهوزية لتسليم مهامها للجنة تكنوقراط فلسطينية ليشكّل لحظة سياسية فارقة، لا يمكن قراءتها خارج سياق الاشتباك المفتوح على مستقبل القطاع، قرار يبدو في ظاهره إدارياً، لكنه في جوهره فعل سيادي استباقي، يُعيد ترتيب المشهد من موقع الفعل.
المقاومة التي التزمت بالهدنة التزاماً صارماً ولم ترتكب أي خروقات ميدانية، قدّمت نموذجاً نادراً في الانضباط السياسي تحت النار، وفي مقابل ذلك، يواصل الاحتلال سياسة القصف والاغتيال والتجويع وإغلاق المعابر، في معادلة تكشف بوضوح من هو الطرف الذي يحترم الاتفاقات، ومن هو الطرف الذي يتعامل معها بوصفها هدنة تكتيكية لإعادة التموضع العسكري.
حلّ الحكومة لا يعني الانسحاب من المشهد السياسي، هو تصرف مدروس يُعبر عن إعادة تموضع سيادي في مواجهة مشاريع المصادرة الدولية، هو قرار يهدف إلى قطع الطريق على فرض إدارة مفروضة من الخارج، وإبقاء مفاتيح القرار داخل البيت الفلسطيني، ولو بصيغة انتقالية.
في هذا السياق، تبرز المقاومة كفاعل سياسي يعيد تعريف مفهوم الدولة تحت الاحتلال: دولة تُقاس بقدرتها على حماية قرارها؛ وتُبنى بصون السيادة الوطنية؛ وتُدار بإرادة شعب يقاوم الإبادة.
غزة اليوم ليست في مرحلة "ما بعد الحرب"، إنّما في قلب معركة على شكل المستقبل الفلسطيني: إما مشروع تحريري يُدار من الداخل، أو مشروع وصاية يُفرض من الخارج، وبين هذا وذاك، تكتب المقاومة فصلاً جديداً في معادلة السياسة تحت القصف.
كيف يدير الاحتلال سياسة النار المفتوحة تحت غطاء التهدئة؟
في التجربة الفلسطينية، لم تكن الهدنة يوماً مساحة لالتقاط الأنفاس، عندما نقول هدنة، هذا يعني أنّ ساحة اختبار جديدة لأدوات القتل المؤجَّل فُتحت، والاحتلال ينظر إلى التهدئة بوصفها فرصة تكتيكية لإعادة التموضع، وإعادة فرز الأهداف، وإعادة توزيع النيران على إيقاع سياسي محسوب.
ما يجري في غزة اليوم سياسة ممنهجة تُدار بعقيدة عسكرية ترى في الهدنة مرحلة تحضير للضربة التالية، من قصف انتقائي، اغتيالات مدروسة، استهداف للبنية المجتمعية، وحصار يتغذّى على الزمن، في معادلة تقوم على استنزاف الحياة بجانب استهداف المقاتلين.
الاحتلال يتصرف ككيان فوق القانون الدولي، محصّنة بالفيتو الأمريكي، ومحمية بمنظومة إفلات من العقاب، ومُعاد تدوير جرائمها في تقارير أممية بلا آليات مساءلة، من قتل الصحفيين إلى استهداف المستشفيات، ومن تجويع المدنيين إلى قصف مراكز الإيواء، تتراكم الجرائم بلا رادع، وتُغلق الملفات بلا محاسبة.
في هذا السياق تتحول الهدنة إلى أداة حرب باردة، تُدار فيها المعركة على جرعات، ويُستبدل فيها الاجتياح الشامل بالقضم المتدرّج، ويُستبدل فيها الاجتثاث العسكري بالتجفيف المجتمعي، إنها سياسة النار المؤجلة: لا سلام يُنتج حياة، ولا حرب تُحسم، بل استنزاف طويل المدى يعيد تشكيل غزة كمنطقة منكوبة دائمة.
ازدواجية الخطاب الأمريكي بين السياسة والسلاح
الولايات المتحدة لا تقف على مسافة واحدة من الدم الفلسطيني، هي تديره ضمن حسابات النفوذ، خطاب إنساني في المؤتمرات، وسلاح في الميدان، بيانات تهدئة في العلن، وغرف عمليات في السر، هكذا تُدار غزة بين وجهين لعملة أمريكية واحدة: وجه يتحدث عن إعادة الإعمار، ووجه يوقّع صفقات الذخيرة.
واشنطن تُمثّل وسيطاً مسلّحاً يفاوض من موقع الشريك العسكري للاحتلال، فكيف لمن يزوّد القاتل بالسلاح أن يكون ضامناً لوقف إطلاق النار؟ وكيف لمن يستخدم المساعدات كورقة ضغط أن يكون راعياً لحقوق الإنسان؟
في المعادلة الأمريكية، تتحول المعاناة الإنسانية إلى أداة تفاوضية، ويُختزل الشعب الفلسطيني إلى ملف إغاثي، وتُعاد صياغة القضية كأزمة إنسانية لا لقضية تحرير وطني، تُدار المساعدات كما تُدار الصفقات، ويُقاس حجم الألم بميزان المصالح، ويُستخدم الحصار كورقة ابتزاز سياسي.
غزة نموذج للمستقبل الفلسطيني
غزة اليوم هي مرآة للمستقبل الفلسطيني بأكمله، ما يُراد لها أن تكونه اليوم، سيُراد لفلسطين أن تكونه غداً: إما كياناً منزوع السيادة تُدار شؤونه عبر لجان دولية، أو مشروع تحريري يُدار بإرادة وطنية مستقلة.
السؤال المركزي لم يعد: كيف نوقف الحرب؟ إنّما: كيف نمنع مصادرة نتائج الصمود؟ كيف نمنع تحويل التضحيات إلى أوراق تفاوض؟ وكيف نحمي الدم من أن يُستثمر سياسيًا ضد أصحابه؟
مستقبل الحكم الفلسطيني يقف على مفترق طرق حاسم: إما سلطة خدمات بلا قرار، تُدار بمنطق البنك الدولي لا بمنطق التحرير الوطني، أو قيادة مقاومة تُعيد تعريف الدولة بوصفها أداة تحرير لا إدارة احتلال.
غزة، التي صمدت تحت القصف والحصار والتجويع، تكتب اليوم نموذجاً جديداً في معادلة التحرير: نموذج الشعب الذي لا يفاوض على دمه، ولا يساوم على سيادته، ولا يقبل أن يُدار من الخارج.
إنها معركة على المستقبل، معركة على القرار، وليس فقط على المعابر، معركة على تعريف فلسطين في النظام الدولي: هل هي قضية شعب تحت الاحتلال، أم ملف إغاثي تحت الوصاية؟
وهنا، تحديداً، تُكتب المعركة القادمة..
غزة اليوم تُقاتل من أجل موقعها في التاريخ، فهي لا تصمد من أجل شحنة مساعدات، هي تصمد من أجل حقها في القرار*، ولا تُفاوض على وقف إطلاق نار مؤقت، تُفاوض على كسر معادلة الوصاية الدائمة.
لكن غزة التي أفشلت مخططات الإخضاع بالقوة، قادرة على إفشال مشاريع المصادرة بالسياسة، غزة التي صمدت في معركة الوجود، قادرة على أن تنتصر في معركة السيادة، وغزة التي كسرت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، قادرة على كسر وهم السلام الأمريكي.
هذه ليست معركة إعادة إعمار وخدمات ومؤسسات، هذه معركة إعادة تعريف فلسطين، معركة قرار وسيادة، وغزة كما كانت دائماً، ليست هامش القضية، هي قلب فلسطين النابض.

