بخفةٍ عالية، وابتسامة لم تغادر ملامح وجهه، كان المصور الصحفي ماهر العفيفي يتنقل بين أحياء غزة وأزقتها لينقل الصور والمشاهد رغم ما تحمله من ألم ومعاناة. لكن جسده الذي وقف طويلًا خلف عدسات الكاميرات لم يعد اليوم قادرًا على أداء مهامه بعد أن قيَّده السرطان بأسرَّة العلاج.
داخل غرفة ضيقة في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، جنوبي القطاع، يرقد العفيفي بوجهٍ شاحب وجسدٍ منهك. يتكئ على سريرٍ طبي وهو يحدق في شاشة هاتفه على أمل أن يتلقى نبأً جديدًا، فمنذ أشهرٍ طويلة ينتظر اتصالًا يخبره بأن الطريق فُتحت أخيرًا نحو العلاج.
لكن الهاتف يبقى خاليًا من أي خبرٍ جديد، كما يبقى معبر رفح مغلقًا أمام رحلة علاج قد تنقذ حياته.
وتُغلق (إسرائيل) معبر رفح، النافذة الوحيدة أمام سكان قطاع غزة إلى العالم الخارجي، وتحول دون تمكين المرضى وجرحى حرب الإبادة من السفر لتلقي العلاج، ما ترك تداعياتٍ خطيرة على حالاتهم الصحية.

وكان الأطباء قد اكتشفوا إصابة العفيفي بمرض السرطان، بعد تدهورٍ مفاجئ طرأ على حالته الصحية إبَّان الحرب، وتفاقم سوء حالته سريعًا مع تراجع عمل المنظومة الطبية جرَّاء الاستهداف الإسرائيلي للمستشفيات، ما أدى إلى خروج غالبيتها عن الخدمة.
يشير المصور الصحفي عبد العزيز العفيفي، إلى أن شقيقه المصاب بالسرطان لم يكن يعاني من أي تبعات صحية، لكن بعد عودته لغزة من مشاركته في تغطية الأحداث والتطورات الميدانية التي شهدتها ليبيا قبل عدة سنوات، على إثر الصراع الدائر هناك، أُصيب بمرض الصدفية.
ويوضح أيضًا لصحيفة "فلسطين" أن العفيفي وخلال تغطية ميدانية قرب السرايا وسط مدينة غزة، وقع قصف إسرائيلي فأصيب بشظايا في أنحاء متفرقة من جسده. وقد طلب منه الأطباء المكوث على أسرَّة العلاج لفترة طويلة حتى تشفى إصابته وتحديدًا في منطقة الصدر.
في ذلك الوقت، كان العفيفي يتلقى علاج "الكورتيزون" ضد الصدفية، ويُعتقد أنه سبب في تراجع الاستجابة المناعية في الجسم.
بعد أسابيع، شعر بآلامٍ حادة في جسده، وبشكل مفاجئ حدث انفجار في المعدة في فبراير/ شباط 2024.
وعلى إثر ذلك، نُقل إلى مستشفى كمال عدوان، في شمالي القطاع، حيث التقى بالطبيب حسام أبو صفية، المعتقل حاليًا في سجون الاحتلال. وبعد تقييم حالته الصحية قرر الأطباء استئصال 60 بالمئة من المعدة.
لم تنته مأساة العفيفي عند هذا الحد، وفق شقيقه؛ فقد طرأ تدهور آخر على حالته الصحية، واكتشف الأطباء إصابته بالسرطان في الأمعاء. وكان قد تنقل بين عدة مستشفيات بحثًا عن علاج يوقف تدهور صحته قبل أن يستقر في مستشفى ناصر، حيث حصل مؤخرًا على جرعة علاجٍ كيماوي.
وأضاف عبد العزيز، أن الإمكانيات الطبية المحدودة وعدم توفر الأدوية جعلا من علاجهِ أمرًا صعبًا، ولأن الأطباء تيقنوا من خطورة حالته، أقروا تحويله للعلاج في الخارج.

وبالفعل حصل على تحويلة طبية، لكن الطريق إلى خارج القطاع بقي مؤجلاً على أمل فتح معبر رفح البري الواقع تحت سيطرة الاحتلال، جنوبًا.
الصحفي العفيفي، وهو من سكان مدينة غزة، التحق بحقل الإعلام قبل أكثر من 20 عامًا، وعمل لصالح وسائل إعلامية تلفزيونية، من بينها تلفزيون فلسطين، ووكالات أنباء محلية، من بينها وكالة "رامتان" سابقًا، ووكالة "الوطنية"، وغيرهما أيضًا.
وخلال حرب الإبادة، عمل العفيفي أيضًا مصورًا لمراسل قناة الجزيرة الزميل الصحفي إسماعيل الغول، الذي اغتاله جيش الاحتلال في غارة جوية استهدفت مركبة كان يقودها في مدينة غزة يوم 31 يوليو/ تموز 2024. كما وثَّق لحظات إنسانية قاسية خلال عمله مع الزميل الصحفي أنس الشريف، مراسل الجزيرة أيضًا، الذي اغتاله الاحتلال في غارة استهدفت خيمته مباشرة عند سور مجمع الشفاء غرب المدينة، يوم 10 أغسطس/ آب 2025.
وكان الشهيد الغول قد رافق المصور العفيفي إلى الطبيب العديد من المرات بعد اكتشاف إصابته بالسرطان، حسبما يفيد شقيقه عبد العزيز.
ويبلغ العفيفي من العمر (45 عامًا)، وهو متزوج وأب لأربعة أطفال، محمود (16 عامًا)، ويصغره 3 شقيقات، رؤى (13 عامًا)، فاطمة الزهراء (9 أعوام)، ولينا (8 أعوام).
يواجه العفيفي المعروف في ميدان الصحافة، ويحظى باحترام كبير بين زملائه الصحفيين، وضعًا صحيًا استثنائيًا يجعل من تحويله للعلاج أمرًا ضروريًا. لكن استمرار تحكم الاحتلال بمعبر رفح وإغلاقه يجعل مصير هذا الصحفي مجهولًا كما غيره آلاف المرضى وجرحى الحرب الذين ينتظرون علاجًا مؤجلاً إلى حين فتح معبر رفح، وسط ظروف إنسانية خطيرة ووضع صحي متدهور.


