فلسطين أون لاين

الأقصى خلف الأقفال: هل يتهيأ الاحتلال لهدم المسجد تحت ضجيج الحروب؟

تحوّل إغلاق المسجد الأقصى إلى مشهد سياسي وديني شديد الخطورة، يُدار ببرودة أعصاب ضمن هندسة متدرجة لإعادة تشكيل الواقع في القدس، فإغلاق المسجد الأقصى لأيام متتالية، ومنع إقامة صلاة الجمعة في شهر رمضان، يُمثّل خطوة في سياق أوسع يستهدف كسر المكانة الروحية والرمزية للمسجد في وعي الأمة، تمهيداً لفرض معادلات جديدة لم يكن الاحتلال قادراً على تمريرها في الظروف الطبيعية.

في لحظة تاريخية مزدحمة بالحروب والصراعات الإقليمية، يبدو أن حكومة الاحتلال تحاول تمرير أخطر مشاريعها بهدوء محسوب، فبينما تنشغل شاشات العالم بتغطية جبهات أخرى، تُغلق أبواب الأقصى، ويُمنع المصلّون، وتتصاعد دعوات الجماعات التلمودية المتطرفة لفرض السيطرة الكاملة على المسجد، أو حتى المضي نحو ما يسمونه "تحقيق الحلم التاريخي"، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل نحن أمام مجرد تصعيد مؤقت، أم أمام مرحلة جديدة يجري فيها اختبار قدرة الاحتلال على تغيير مصير المسجد الأقصى نفسه؟

لقد أثبتت التجارب السابقة أن الاحتلال يتقدم في ملف الأقصى وفق استراتيجية الخطوات الصغيرة المتراكمة، يبدأ بتقييد الدخول، ثم تقسيم الزمان، ثم فرض الاقتحامات، وصولاً إلى محاولة تكريس واقع سيادي جديد، لكن إغلاق المسجد بالكامل ولأيام متواصلة يمثل نقلة أكثر خطورة، لأنه يسعى إلى اختبار ردود الفعل الشعبية والسياسية، تمهيداً لخطوات قد تكون أكثر جذرية في المستقبل.

إن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن المشروع الأيديولوجي الذي تتبناه الحكومة الصهيونية الحالية، ولا عن تصاعد نفوذ التيارات الدينية المتطرفة التي ترى في الأقصى عقبة ينبغي إزاحتها، وبين صمت دولي مريب، وانشغال إقليمي خانق، يجد الاحتلال نفسه أمام فرصة نادرة لمحاولة فرض وقائع غير مسبوقة، والسؤال الذي يفرض نفسه بقلق: هل يُراد للأقصى أن يبقى خلف الأقفال مؤقتاً؟ أم أن الأقفال ليست سوى مقدمة لسيناريو أخطر؟

إغلاق الأقصى سابقة خطيرة في الوعي الديني والسياسي

يُعتبر إغلاق المسجد الأقصى لحظة مفصلية في معركة الوعي حول القدس، فعندما تُغلق أبواب القبلة الأولى في وجه المصلّين، ويُمنع المسلمون من أداء صلاة الجمعة في شهر رمضان، فإن الأمر يتجاوز كونه إجراءً ميدانياً ليصبح فعلاً رمزياً ثقيل الدلالة، أشبه بإعلان سيطرة على المجال الروحي نفسه.

لهذا فإن منع صلاة الجمعة في رمضان يُقرأ كرسالة سياسية موجهة إلى العالم الإسلامي مفادها أن الاحتلال بات قادراً على التحكم بإيقاع العبادة في ثالث الحرمين، هنا يتحول الإغلاق إلى ما يمكن تسميته سياسة هندسة القداسة؛ أي إعادة تشكيل العلاقة بين المسلم ومقدسه عبر فرض واقع القفل والمنع والبوابات العسكرية.

لقد شهدت السنوات الماضية تدرجاً واضحاً في هذه السياسة؛ من منع فئات عمرية معينة من الدخول، إلى إغلاق الأبواب في بعض الأوقات، وصولًا إلى اقتحامات منظمة بحماية الشرطة، لكن الإغلاق الكامل لأيام متواصلة يمثل قفزة نوعية في معادلة السيطرة، لأنه ينقل الاحتلال من إدارة الأزمة إلى مرحلة اختبار السيطرة الكاملة على المجال الديني في القدس.

والأخطر من ذلك أن تكرار هذه الإجراءات يهدف إلى خلق حالة من تطبيع الإغلاق في الوعي العام؛ أي تحويل الاستثناء الصادم إلى واقع متكرر يمكن التعايش معه، فحين يعتاد العالم على خبر إغلاق الأقصى كما يعتاد على أخبار الطقس، يكون الاحتلال قد نجح في أخطر مهامه وهي إضعاف الحساسية العالمية تجاه المساس بالمقدسات.

حرب دينية معلنة.. الحكومة الصهيونية راعية للتطرف التلمودي

المواجهة في الأقصى أخذت ملامح حرب دينية صريحة، تقودها حكومة يمينية متطرفة ترى في المسجد الأقصى عقبة أيديولوجية أمام مشروعها التوراتي، ففي السنوات الأخيرة تسللت الدعوات إلى بناء الهيكل إلى قلب المؤسسة الحاكمة نفسها.

وزراء ونواب في الحكومة الصهيونية باتوا يعلنون صراحة حق اليهود في الصلاة داخل المسجد الأقصى، وهو تحول خطير في الخطاب الرسمي؛ إذ يعني الانتقال من سياسة إدارة الوضع القائم إلى سياسة إعادة تعريف السيادة الدينية في الحرم القدسي، وهنا يصبح الأقصى ساحة اختبار لمشروع أوسع يمكن تسميته إعادة توراة الجغرافيا المقدسة؛ أي تحويل المكان من فضاء إسلامي تاريخي إلى فضاء خاضع للرواية التوراتية.

وتظهر هذه السياسة بوضوح في تصاعد الاقتحامات المنظمة التي تقودها جماعات الهيكل، والتي تتم تحت حماية الشرطة الصهيونية وبمرافقة شخصيات سياسية، فهذه الاقتحامات صارت جزء من طقس سياسي مدروس يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الوجود اليهودي داخل الأقصى أمر طبيعي ومتكرر.

وفي هذا السياق، يتحول الإغلاق نفسه إلى أداة تمهيدية، فحين يُمنع المسلمون من الدخول، بينما تُفتح الساحات أمام مجموعات الاقتحام في أوقات أخرى، فإن الاحتلال يعيد رسم خريطة السيادة داخل المسجد بطريقة تدريجية، إنها عملية إزاحة بطيئة للهوية التاريخية للمكان، تُدار على شكل خطوات متفرقة لكنها تصب جميعاً في اتجاه واحد وهو تحويل الأقصى من رمز للسيادة الإسلامية إلى فضاء قابل للمشاركة القسرية، تمهيداً لفرض معادلات أخطر في المستقبل.

كيف يختبر الاحتلال حدود رد الفعل؟

يعمل الاحتلال في ملف الأقصى وفق استراتيجية يمكن وصفها بسياسة النبض البطيء؛ أي دفع الواقع خطوة صغيرة إلى الأمام، ثم التوقف لقياس ردود الفعل، قبل الانتقال إلى خطوة جديدة أكثر جرأة، إنها هندسة دقيقة للمواجهة، تقوم على اختبار قدرة المجتمع الفلسطيني والعالم العربي على التحمل.

هذه الاستراتيجية ليست جديدة، فقد بدأت منذ سنوات بمحاولات فرض تقسيم زماني غير معلن، حيث تُخصص ساعات معينة لاقتحامات المستوطنين، ثم تطورت إلى محاولات تكريس وجود دائم لهم داخل الساحات، ومع كل جولة تصعيد، يسعى الاحتلال إلى معرفة الحد الأقصى الذي يمكن تجاوزه دون انفجار واسع.

في هذا السياق، يصبح إغلاق الأقصى لأيام متتالية بمثابة جس نبض استراتيجي، هل سيبقى الشارع الفلسطيني قادراً على فرض معادلاته كما حدث في هبة باب الأسباط عام 2017 أو في معركة البوابات الإلكترونية؟ أم أن الإرهاق السياسي والانشغال الإقليمي قد خلقا فراغاً يسمح بتمرير وقائع جديدة؟

ولا يمكن فصل هذه الخطوات عن السياق الإقليمي والدولي المضطرب، فالعالم اليوم غارق في حروب متعددة وأزمات متلاحقة، ما يخلق بيئة مثالية لما يمكن تسميته سياسة التمرير تحت الضجيج؛ أي تنفيذ قرارات خطيرة بينما ينشغل الرأي العام العالمي بملفات أخرى أكثر صخباً، وبينما تتجه الأنظار إلى جبهات أخرى في المنطقة، يجري في القدس اختبار صامت لمعادلة خطيرة: إلى أي مدى يمكن تغيير مصير الأقصى دون أن يتحرك العالم؟

هل نحن أمام تمهيد لسيناريو أكبر؟

في كل مرة يُغلق فيها المسجد الأقصى، يتجدد السؤال القلق الذي يطارد الوعي الفلسطيني والإسلامي منذ عقود: هل ما يجري مجرد تصعيد عابر، أم أننا أمام مرحلة تمهيدية لسيناريو أكبر وأكثر خطورة؟ فداخل التيارات الدينية المتطرفة في "إسرائيل" أصبح الحديث عن هدم الأقصى خطاباً يتردد في المنابر الدينية والمنتديات السياسية، ويجد صداه أحياناً في تصريحات شخصيات نافذة في الحكم.

هذه التيارات تنطلق من تصور أيديولوجي يعتبر وجود المسجد الأقصى عقبة تاريخية أمام مشروع الهيكل، ومن هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته سياسة تهيئة الصدمة؛ أي تهيئة الرأي العام تدريجياً لفكرة المساس بالمسجد، عبر تصعيد متدرج يبدأ بالاقتحامات، ثم تقييد الدخول، ثم الإغلاق الكامل، وصولاً إلى خلق لحظة انفجار يمكن استثمارها لفرض واقع جديد.

ومن بين السيناريوهات التي يطرحها بعض المحللين ما يمكن وصفه بسيناريو الذريعة الكبرى، أي خلق أو استغلال حدث أمني كبير داخل المسجد أو في محيطه، يُستخدم مبرراً لإجراءات جذرية بحجة الأمن أو إعادة التنظيم، ففي تاريخ الأقصى كثيراً ما حاول الاحتلال توظيف أحداث أمنية لفرض وقائع جديدة، كما حدث بعد انتفاضات القدس المختلفة.

أما السيناريو الأكثر خطورة، فيدور حول احتمال افتعال حادث تدمير جزئي أو تفجير داخل المسجد، ثم تحميل المسؤولية لطرف خارجي، في سياق الصراعات الإقليمية المشتعلة، وفي ظل التوترات القائمة في المنطقة، لا يستبعد بعض المراقبين احتمال محاولة إلصاق التهمة بإيران أو بمحور المقاومة، بما يحقق هدفين في آن واحد: التخلص من عبء الأقصى، وتحويل الحدث إلى ذريعة لتوسيع الصراع الإقليمي.
ورغم أن هذا السيناريو يبقى في إطار الاحتمالات، إلا أن خطورته تكمن في أنه ينسجم مع منطق الفوضى المدارة الذي لطالما استخدمته القوى الاستعمارية لفرض تحولات جذرية في لحظات الاضطراب، وفي هذه الحالة قد يتحول أي حادث غامض إلى مدخل لإعادة رسم المشهد بالكامل داخل الحرم القدسي.

وفي الحد الأدنى، قد يسعى الاحتلال إلى فرض تقسيم مكاني دائم داخل المسجد، على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي في الخليل، وهو نموذج يلوح في الأفق كلما تصاعدت الاقتحامات وازدادت القيود على دخول المسلمين، وهنا يصبح الإغلاق المتكرر للأقصى خطوة في سياق هندسة انتقالية للسيادة، تمهد لتحويل ما هو مؤقت إلى واقع دائم.

الأقصى بين الرباط الشعبي والصمت الرسمي

رغم كل محاولات الاحتلال فرض سيطرته على الأقصى، أثبتت التجربة أن هناك عاملاً واحداً ظل قادراً على إرباك هذه المخططات وهي الرباط الشعبي، فالمقدسيون وفلسطينيو الداخل يشكلون منذ سنوات خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى، في معادلة يمكن تسميتها سيادة الحضور؛ أي أن مجرد وجود الناس في المسجد وساحاته يمثل شكلاً من أشكال المقاومة المدنية التي تعطل مخططات السيطرة.

لقد نجح هذا الحضور الشعبي في أكثر من محطة في إفشال مشاريع صهيونية خطيرة، ففي عام 2017، أجبرت الهبة الشعبية في القدس الاحتلال على إزالة البوابات الإلكترونية التي حاول فرضها على مداخل المسجد، وفي محطات أخرى، مثل معركة باب العامود أو هبات رمضان المتكررة، أثبت الشارع المقدسي أن الأقصى ليس مساحة فارغة يمكن التحكم بها بقرارات إدارية.

هذه المعادلة جعلت الاحتلال يدرك أن السيطرة على الأقصى تبدأ من تفريغ المسجد من رواده، لذلك تأتي سياسات المنع والإغلاق والتضييق كجزء من استراتيجية تفريغ المجال الروحي؛ أي تقليل عدد المصلين تدريجياً حتى يصبح المسجد أقل قدرة على توليد ردود فعل جماهيرية.

لكن في المقابل، يبرز تناقض حاد بين حيوية الرباط الشعبي وصمت النظام الرسمي العربي والإسلامي، فالأقصى الذي يمثل رمزاً دينياً جامعاً لمئات الملايين من المسلمين، يجد نفسه في كثير من الأحيان وحيداً في مواجهة أخطر مخططاته، بينما تكتفي المؤسسات الرسمية ببيانات الإدانة التي لا تتجاوز حدود اللغة الدبلوماسية الباردة.

وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يمكن ترك معركة الأقصى على أكتاف المقدسيين وحدهم؟ أم أن حماية هذا المسجد تحتاج إلى استنفار سياسي وثقافي وإعلامي واسع يعيد وضع القضية في مركز الاهتمام العالمي؟

إنذار مبكر.. لماذا يجب التعامل مع ما يجري كخطر استراتيجي؟

إن ما يجري في المسجد الأقصى اليوم يُعتبر مؤشر مبكر على تحولات خطيرة في بنية المواجهة في المنطقة، فالمساس بالأقصى يحمل طابعاً انفجارياً يتجاوز حدود فلسطين، لأنه يمس أحد أكثر الرموز الدينية حساسية في الوعي الإسلامي.

ولهذا السبب، كان الأقصى دائماً قادراً على إشعال موجات واسعة من الغضب الشعبي، فمن انتفاضة الأقصى عام 2000، إلى الهبات المتكررة في القدس، أثبت هذا المكان أنه مفجر للطاقات الرمزية والسياسية في العالم الإسلامي.

إن تجاهل ما يحدث اليوم أو التعامل معه كحدث عابر قد يقود إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بها، فحين يشعر ملايين المسلمين أن أحد أقدس مساجدهم يتعرض للتهديد، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام موجات اضطراب تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.

ولهذا يمكن وصف ما يحدث بأنه جرس إنذار مبكر، فإغلاق الأقصى اليوم قد يتحول غداً إلى محاولة لفرض سيادة كاملة عليه، وإذا نجح الاحتلال في تمرير هذه الخطوة دون رد حقيقي، فإن ذلك قد يشجع على خطوات أكثر جرأة في المستقبل.

وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يدرك العالم أن المساس بالأقصى يُمثّل اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على حماية المقدسات وحقوق الشعوب؟ أم أن الصمت المتراكم سيمنح الاحتلال الضوء الأخضر للمضي في أخطر مغامرة تاريخية في القدس؟

في القدس لا تقع الأحداث صدفة، ولا تُغلق أبواب الأقصى عبثاً، فكل قفل يوضع على أبواب المسجد يحمل في طياته رسالة سياسية، وكل منعٍ للمصلين هو خطوة في معركة أعمق تدور حول هوية المكان وسيادته، وما يجري اليوم يُعتبر اختبار خطير لمدى قدرة الاحتلال على إعادة صياغة الواقع المقدسي تحت غطاء الضجيج الإقليمي والصمت الدولي.

لكن التاريخ القريب يثبت أن الأقصى ليس ساحة سهلة للعبث، فهذا المسجد الذي حاول الاحتلال مراراً إخضاعه بالبوابات والكاميرات والاقتحامات، كان في كل مرة يستعيد حريته بإرادة الناس الذين يرابطون فيه، وكأن للأقصى معادلته الخاصة التي تربك الحسابات العسكرية: كلما ضاق الباب، اتسع الميدان في قلوب المدافعين عنه.

ومع ذلك، فإن أخطر ما يراهن عليه الاحتلال اليوم هو تآكل الحساسية العالمية تجاه ما يحدث في القدس، فحين يتحول إغلاق الأقصى إلى خبر عابر في نشرات الأخبار، يكون الخطر الحقيقي قد بدأ؛ لأن الجرائم الكبرى في التاريخ لم تبدأ دائماً بالانفجارات، ولكن بدأت غالباً بلحظات صمت طويلة.

إن الأقصى اليوم يقف عند مفترق حساس بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى تفريغه من معناه تمهيداً لفرض سيادة قسرية عليه، ومشروع آخر يحمله الملايين في وجدانهم باعتباره خط الدفاع الأخير عن قداسة المكان وذاكرة الأمة.

ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو هل سيبقى الأقصى خلف الأقفال طويلاً؟ أم أن لحظة الرباط القادمة ستكسر هذه الأقفال كما كسرت ما قبلها؟

المصدر / فلسطين أون لاين