في الثامنة عشرة من عمره، كان معاذ شريف دلول أكبر من سنّه بكثير. لم تُثقله السنوات بقدر ما أثقلته المسؤولية، حين وجد نفسه قبل تسعة أشهر مضطرًا لحمل همٍّ لا يُفترض أن يحمله شاب في مقتبل العمر: تأمين الطحين لعائلته التي أنهكها سوء الوضع الاقتصادي وضيق الحال في ظل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
خرج معاذ من بيته وهو يدرك أن الطريق محفوف بالمخاطر، لكن الجوع كان أخطر من الخوف، والحاجة أقسى من التردّد. لم يكن خروجه بحثًا عن الطحين بطولةً في نظره، بل واجبًا بسيطًا تجاه عائلة تنتظر عودته بما يسدّ رمقها. رافقه ثلاثة من أصدقائه، تشاركوا الهمّ ذاته، وساروا معًا حتى وصلوا إلى دوّار الكويت، المكان الذي تحوّل لاحقًا إلى شاهد على مأساة جديدة.
وفجأة، اخترق صوت طائرة استطلاع إسرائيلية سماء المكان، ولم تمهلهم اللحظة وقتًا للفهم أو الهرب. استهدافٌ خاطف بدّد أحلامهم الصغيرة، وأسقط ثلاثة منهم شهداء على الفور، فيما بقي معاذ وحده على قيد الحياة، لكن بثمنٍ باهظ؛ إصابة خطيرة غيّرت مجرى حياته، وتركته معلّقًا بين الحياة واللا حياة.
ويقول والده، شريف دلول، لصحيفة فلسطين: “تلقيت اتصالًا لا يتمناه أي أب؛ صوتًا متقطعًا أخبرني بأن ابني معاذ مصاب، وأن طواقم الإسعاف وحتى المواطنين عاجزون عن الوصول إليه”. لم ينتظر تفاصيل أكثر، فالقلب سبق الخطوات، وانطلق مسرعًا نحو المكان، علّه يكون أقرب ما يمكن إلى ابنه.
ويسرد شريف ما مرّ به قائلًا: “عند أقرب نقطة وصول، بدأت تظهر صورتي للجنود، وكان الرصاص المتفرّق يمنعني من الاقتراب. في البداية لم أستطع الوصول إليه؛ كانت الطلقات تُطلق حولي لتمنعني من التقدّم”. لحظات ثقيلة وقف فيها أبٌ أعزل، لا يملك حيلة، لكنه لم يحتمل فكرة ترك ابنه ينزف وحيدًا.
ويتابع: “لم أستطع أن أترك ابني مصابًا هناك”. وفي لحظة امتزج فيها اليأس بالشجاعة، خلع ملابسه، ورفع يديه حاملاً راية بيضاء، مستسلمًا فقط لغريزة الأبوة، ومشى ببطء، خطوة تلو الأخرى. حينها فقط، سُمح له بالمرور.
وصل شريف إلى ابنه، فوجده بين الحياة والموت؛ جسدًا غارقًا في الألم، وعينين تبحثان عن الأمان. حمله بما تبقى لديه من قوة، وفي تلك اللحظة لم يكن أبًا فقط، بل مسعفًا ودرعًا. يقول: “حملت معاذ على كتفي، وسرت به من دوّار الكويت حتى مفترق دولة”.
لم تكن المسافة تُقاس بالأمتار، بل بأنفاسه المتقطعة والخوف الذي كان ينهش قلبه مع كل خطوة، فيما كان جسد معاذ المثقل بالإصابة يزداد ثقلًا. ويضيف: “عند مفترق دولة، وجدت عربة وضعت ابني عليها، وانطلقت به نحو مستوصف الزيتون، حيث حاول الطاقم الطبي إنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن يتم تحويله إلى مستشفى الشفاء في سباق مع الزمن”.
وفي مستشفى الشفاء، دخل معاذ غرفة العمليات في محاولة عاجلة لإنقاذ حياته. بذل الأطباء ما بوسعهم في ظل الإمكانيات المحدودة، وأجروا له عملية جراحية طارئة لوقف النزيف واستقرار حالته.
غير أن الجراحة لم تكن نهاية المعاناة؛ فالشظايا التي استقرت في جسد معاذ كانت في منطقة حساسة، جعلت إزالتها محفوفة بمخاطر جسيمة قد تتسبب بمضاعفات أخطر. ويوضح الأطباء أن رفع هذه الشظايا يتطلب إمكانيات ومعدات طبية دقيقة غير متوفرة في المستشفى، ما اضطرهم إلى الاكتفاء بإجراءات تحفظ حياته مؤقتًا، مع بقاء الخطر قائمًا.
ولم تتوقف تداعيات الإصابة عند حدود الألم، إذ خلّفت في جسد معاذ أثرًا دائمًا؛ شللًا طوليًا في الجهة اليسرى غيّر ملامح حياته كليًا. ورغم محاولات الأطباء، ظل النزيف في رأسه خطرًا قائمًا، إذ التأم الجرح “على غِشّ”، كما يصف والده، ما جعله مهددًا في أي لحظة بتدهور مفاجئ.
في تلك المرحلة، تبيّن للعائلة أن بقاء معاذ في غزة لن يغيّر من واقعه الصحي شيئًا. أخبرهم الأطباء أن فرصته قد تكون في الجنوب. لم يكن القرار سهلًا، لكن الأب لم يكن يملك ترف الاختيار؛ حمل ابنه المصاب من جديد، ومضى به في رحلة أخرى بحثًا عن علاج قد يخفف ألمه، في ظل وضع مادي لا يسمح بتأمين بدائل خاصة.
وعلى طريق صلاح الدين، كان الطريق شاقًا، ومعاذ بجسده المنهك وشلله في الجهة اليسرى بالكاد يحتمل الحركة. وفي لحظة قاسية، اعترضتهم قوات الاحتلال، وحاول الجنود اعتقال معاذ رغم وضوح إصابته وعجزه عن الحركة.
يستعيد شريف تلك الساعات الثقيلة قائلًا: “حاولت بكل ما أملك أن أشرح لهم أن ابني مصاب، وأنني خرجت به بحثًا عن علاج. وبعد ساعات طويلة من الاحتجاز، أُطلق سراحنا لنواصل طريقنا”.
سوء الحال
ويشير شريف إلى أن ما يزيد من مأساة العائلة أنه لا يملك عملًا ولا مصدر رزق ثابتًا، بعدما استنزفته رحلة الألم الطويلة مع ابنه المصاب. ولم يبقَ أمامه سوى أطفاله، إذ يخرج اثنان منهم يوميًا إلى الشوارع بحثًا عن لقمة العيش، يجمعون النحاس والعلب الفارغة لبيعها بثمن زهيد، في محاولة يائسة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الأسرة.
ورغم هذا الجهد القاسي، يبقى علاج معاذ حلمًا بعيد المنال. فإصابته لم تخلّف شللًا في الجهة اليسرى فحسب، بل تسببت بآلام مزمنة في الرأس والتهابات مستمرة لا تهدأ. وهو بحاجة إلى تجديد علاجه مرة كل أسبوعين، بتكلفة تصل إلى 800 شيكل، وهو مبلغ يفوق قدرة العائلة بكثير، حتى مع ما يجمعه الأبناء من بيع الخردة.
ومع استمرار الألم وتعقّد الحالة، أكد الأطباء أن معاذ بحاجة ماسّة إلى السفر لتلقي علاج متقدم غير متوفر محليًا؛ علاج قد يمنحه فرصة حقيقية للعودة إلى حياته الطبيعية والاعتماد على نفسه من جديد. فبقاء الشظايا في جسده، واستمرار النزيف غير المستقر، والشلل الذي أصاب الجهة اليسرى، كلها عوامل تجعل العلاج داخل غزة حلًا مؤقتًا لا أكثر.
ورغم كل ذلك، لا يزال معاذ يحلم، رغم ألمه، بأن يعود شابًا قادرًا على الحركة والعمل، وأن يعتمد على نفسه، بدل أن يكون عبئًا على والده وإخوته الصغار.

