مع انقضاء المهل الزمنية المعلنة وعدم الانتقال إلى المرحلة الثانية من تفاهمات اتفاق وقف العدوان على قطاع غزة، تتكشف الأسئلة حول الأسباب الحقيقية لهذا التعثر، بعيدا عن الخطاب المعلن والذرائع التقنية.
فبين اشتراطات الاحتلال الأمنية التعجيزية، والدور الملتبس للسلطة في رام الله، وتعثر تشكيل قوة الاستقرار الدولية، تبدو المرحلة الثانية رهينة مشروع سياسي أوسع يصطدم عمدا بوقائع الميدان وحسابات الهيمنة الإقليمية والدولية.
وعلى الرغم من دخول المرحلة الأولى من اتفاق وقف العدوان حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر الماضي، لم يلتزم الاحتلال الإسرائيلي بأي بند على الأرض. فقد تحولت الاتفاق إلى مجرد غطاء تكتيكي، حيث نفذ الاحتلال مئات الخروقات من غارات جوية وقصف مدفعي متواصل، مستهدفا النازحين بشكل متعمد، ما أسفر عن ارتقاء مئات الشهداء والجرحى.
تعطيل سياسي مقصود
يرى الخبير في الشؤون السياسية والأمريكية الدكتور نعيم الريان أن هذا التعطيل ليس وليد خلافات فنية، بل نتاج قرار سياسي اتخذته دولة الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي مباشر، يهدف إلى إبقاء قطاع غزة في حالة سيولة أمنية تمنع تثبيت أي التزام بوقف العدوان.
ويؤكد الريان لـ "فلسطين أون لاين" أن الاحتلال لم يتعامل مع فكرة المراحل بوصفها مسارا ملزما، بل كأداة تكتيكية للمناورة السياسية، تستخدم لشراء الوقت، وإعادة ترتيب أوراقه، ومواصلة الضغط العسكري متى سنحت الفرصة، دون تحمل كلفة سياسية كاملة.
وبحسب الخبير الفلسطيني، فإن الدخول في المرحلة الثانية يعني عمليا تثبيت وقف الإبادة وفتح أفق سياسي جديد، وهو ما ترفضه حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرفة، التي ترى في أي تهدئة مستقرة تهديدا مباشرا لمشروعها القائم على القوة والردع المفتوح.
في هذا السياق، يلفت الريان إلى أن إدارة ترامب وفرت الغطاء السياسي لهذا التعطيل، عبر تحويل المرحلة الثانية إلى رهينة لشروط أمنية تعجيزية، في مقدمتها نزع سلاح المقاومة، متجاهلة بذلك أبسط قواعد القانون الدولي والشرعية الأممية.
نزع السلاح.. شرط ابتزاز
ويشدد على أن نزع السلاح لم يطرح كجزء من تسوية متوازنة، بل كشرط ابتزازي مقابل وقف القتل، في معادلة تختزل حياة الفلسطينيين في غزة بثمن سياسي يراد فرضه بالقوة لا بالتوافق.
أما ما يسمى بقوة الاستقرار الدولية، فيرى الريان أنها طرحت كأداة تنفيذية لهذا الابتزاز، حيث أُريد لها أن تلعب دور الشرطي الدولي المكلف بتفكيك بنية المقاومة، لا بحماية المدنيين أو ضمان عدم عودة العدوان.
ويشير إلى أن فشل تشكيل هذه القوة، رغم الترويج الإعلامي والسياسي المكثف لها، يعكس إدراكا دوليا متزايدا بخطورة الانخراط في مشروع يستخدم غطاء لاستكمال حرب الإبادة بوسائل أقل صخبا.
ويضيف أن الدول التي طلب منها المشاركة تدرك أن أي وجود عسكري في غزة دون تفويض سياسي عادل سيحولها إلى طرف في الصراع، ويضعها في مواجهة مباشرة مع شعب تحت الاحتلال، وهو ما لا ترغب به.
السلطة والبدائل
في المقابل، يتوقف الريان عند الدور الإشكالي للسلطة الفلسطينية، معتبرا أن استعجالها طرح نفسها كبديل سياسي في غزة يتقاطع عمليا مع منطق تعطيل المرحلة الثانية، ويمنح الاحتلال مخرجا سياسيا دون إنهاء العدوان.
ويرى أن خطاب الشرعية والسلاح الواحد الذي ترفعه السلطة يستخدم لتبرير إقصاء المقاومة، لا لبناء وحدة وطنية، وهو ما يعيد إنتاج نموذج الضفة الغربية كحكم ذاتي محدود تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
ويحذر الريان من أن فرض هذا النموذج على غزة، في ظل الدمار الهائل وانعدام التوافق الوطني، قد يفتح الباب أمام صدام داخلي خطير، يصل إلى مستوى الحرب الأهلية، وهو سيناريو لا يمكن فصله عن أهداف الاحتلال.
حسابات الإقليم
وفيما يتعلق بالبعد الإقليمي، يؤكد الريان أن رفض الاحتلال إشراك تركيا في أي ترتيبات مستقبلية لغزة يعكس خوفه من وجود طرف قادر على فرض هدنة حقيقية، لا مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.
ويشير إلى أن الدور التركي، كما تراه المقاومة، يقوم على الفصل بين الأطراف وضمان عدم عودة الإبادة، وهو ما يتناقض جذريا مع الرؤية الإسرائيلية القائمة على إبقاء غزة تحت تهديد دائم.
كما يربط الريان بين تعطيل المرحلة الثانية والمشهد الإقليمي الأوسع، معتبرا أن الاحتلال يسعى، مستفيدا من وجود ترامب، إلى استكمال مشروعه ضد قوى المقاومة في المنطقة، من غزة ولبنان إلى اليمن وإيران.
ويضيف أن انخراط ترامب في ملفات دولية متفجرة، كفنزويلا، يعزز منطق القوة والعدوان، لكنه في الوقت ذاته يفاقم عزلة الولايات المتحدة، ويضعف فرص بناء تحالف دولي فعال لدعم أي ترتيبات في غزة.
وبحسب الريان، فإن هذا الواقع يفسر الفتور الدولي تجاه فكرة قوة الاستقرار، بل وربما وجود إرادة لدى بعض الدول لإفشالها، خشية أن تتحول إلى أداة في مشروع أمريكي إسرائيلي لتكريس الفوضى.
ويخلص إلى أن المرحلة الثانية لن ترى النور بصيغتها المطروحة، لأنها صممت لخدمة أمن الاحتلال لا لحماية الشعب الفلسطيني، ولأن شروطها تتناقض مع أبسط مقومات العدالة السياسية.
السيناريو الأرجح، وفق الريان، هو بقاء غزة في حالة اللاستقرار، مع تدخلات عدوانية إسرائيلية متقطعة، ومحاولات سياسية لإعادة ترتيب المشهد الداخلي بما يخدم نموذج السيطرة غير المباشرة.
ويؤكد الخبير السياسي أن تعطيل المرحلة الثانية ليس فشلا دبلوماسيا عابرا، بل خيارا استراتيجيا واعيا، وأن أي حديث عن استقرار دون وقف الإبادة ورفع يد الاحتلال الإسرائيلي عن غزة، ليس سوى وهم سياسي يراد تسويقه على أنقاض الدم.

