تجاوزت تداعيات الحروب الإسرائيلية في المنطقة، التغيرات العسكرية والأمنية وصولا لتغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية داخل الكيان الذي يشهد هجرة أكاديمية سلبية ملحوظة خلال العاميين الماضيين.
"الحروب العسكرية والانقلاب القضائي ومتغيرات اقتصادية واجتماعية أخرى"، أسباب رئيسية يجمع عليها مراقبون استطلعت "فلسطين" آراءهم وراء التصاعد الملحوظ في هجرة الأكاديميين "الصامتة" من الكيان الإسرائيلي إلى دول أوروبية وغيرها.
معدلات مرتفعة أضحت حديث الشارع والمراكز البحثية الإسرائيلية ولا سيما عقب نشر بيانات "دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية" بالتعاون مع "المجلس الوطني للبحث والتطوير" التي كشفت النقاب عن هجرة 55 ألف شخص من خريجي الجامعات والكليات الإسرائيلية خلال العامين 2023-2024.
ووصفت ميزان هجرة الأكاديميين بـ"السلبي" خلال 2024، منوهة إلى أن هؤلاء الأكاديميين شبان من بلدات مستقرة، خاصة حول "تل أبيب"، وسجلت ارتفاعا في هجرة الباحثين عموما الذين بإمكانهم تطوير الاقتصاد ومجال الأبحاث وانتقلوا للعمل والعيش خارجها.
يضاف إلى ذلك، تقرير سنوي لـ(جمعية الصناعات التكنولوجية المتقدمة في (إسرائيل) - IATI) أظهر أن 53% من شركات (الهايتك) أبلغت عن زيادة في طلبات هروب الموظفين الإسرائيليين للخارج بسبب حرب غزة، مشيرة إلى أن هذا "اتجاه قد يضر بمرور الوقت بمحرك الابتكار المحلي والريادة التكنولوجية".
وكشف التقرير أن هذا التوجه لا يقتصر على موظفين في مستويات متوسطة بل يشمل أيضا مديرين تنفيذيين كبارا وعائلاتهم وسط بحث متزايد عن بيئات أكثر استقرارًا على الصعيدين الأمني والاقتصادي.
"مقلقة" و"مخيفة"
وربط مدير مركز القدس للدراسات الإسرائيلي عماد أبو عواد، هجرة الأكاديميين بالهجرة الإسرائيلية العامة إلى الخارج التي بلغت هجرة 125 ألف إسرائيلي خلال عامين 2022-2024.
واستدل باستطلاعات الرأي الإسرائيلية التي تعكس رغبة 30 % من الإسرائيليين بالهجرة إلى الخارج، لافتا إلى أن المفارقة في هذا الأمر أن الذين يعتزمون الهجرة هم ممن ينتمون لـ"التيار الديني الصهيوني الليبرالي" أو ما يعرف داخل (إسرائيل) بـ"دولة تل أبيب" وهم النواة الأولى لتأسيس هذا الكيان اقتصاديا وعسكريا.
ونوه إلى أن 40% من الإسرائيليين هم مزدوجي الجنسية وهؤلاء هم "العصب الاقتصادي والصناعي الذين استطاعوا بناء (إسرائيل) خلال العقود السابقة"، وهذا ما يقود بحسب رأيه إلى أن تلك المعطيات "مقلقة" و"مخيفة" إسرائيليا.
ولذلك، قال إن هناك حالة قلق داخل المؤسسات الإسرائيلية حول تلك الأرقام والنوعيات المهاجرة، وخاصة أن ذلك سيلقي بتداعيات سلبية كبيرة على "المشروع الصهيوني" في المنطقة.
ودلل على خطورة تلك التداعيات بأن (إسرائيل) حاليا تحولت للتجمع الثاني لليهود حول العالم بعد أميركا التي يعيش فيها 46% من اليهود و44 % في (إسرائيل) و10 % حول العالم.
وحول هجرة الأكاديميين الإسرائيليين، تطرق أبو عواد إلى "الانقلاب القضائي" داخل (إسرائيل) وتمسك "اليهود الليبراليين" بأنهم "عصب الاقتصاد" وذلك في إشارة إلى أن جزءا من الحرب في (إسرائيل) هي "حرب طبقية".
ومثالا، على مدى العقود الماضية لم يستطيع أيا من "اليهود الشرقيين" الوصول لرئاسة الوزراء أو رئاسة الموساد أو أجهزة أمنية أخرى.
ويتكون المجتمع الإسرائيلي من ثلاث فئات عريضة: "العلمانيون" ويعيش غالبيتهم في "تل أبيب" ومحيطها ويشكلون النخبة من العلماء والمهندسين والأطباء، و"المتدينون الحريديم": نسبتهم 14% تقريبا ويهتمون بتعليم "التوراة" ويرفضون تعلم الرياضيات والعلوم التي يحتاج إليها الاقتصاد الإسرائيلي، ويعيش معظمهم في مدينة القدس المحتلة وحولها.
والفئة الثالثة وهم: "اليمين المتشدد" الحاكم بقيادة ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وهم مسلحون يقطنون المستوطنات ويشجعون الاستيطان في الضفة الغربية.
وذهب أبو عواد إلى صادرات (إسرائيل) التي تقدر بنحو 121 مليار دولار سنويا 78 مليارا منها صناعات الهايتك (التكنولوجيا المتقدمة) أكثر من 50% من إجمالي الصادرات، 70 % من العاملين في هذه الصناعات هم "اليهود الغربيين".
ويساهم قطاع التكنولوجيا بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي، ويوفر 15% من فرص العمل كما يشكل أكثر من نصف صادراتها، علما أنه يوجد داخل الكيان فروع لمئات الشركات متعددة الجنسيات، من بينها "مايكروسوفت" و"إنتل" و"إنفيديا" و"أمازون" و"ميتا" و"أبل"، وهي الشركات التي أبلغت عن هروب موظفيها الإسرائيليين من العمل لدول أخرى.
وأضاف: "بالتالي: باتت (إسرائيل) دولة شرقية الأمر الذي يثير غضب وقلق التيار الغربي الذي يدفع باتجاه التخلي عنها".
وتابع: ما يحدث من تغيرات أو هجرات يقودنا لتسمية (إسرائيل الجديدة) وليست (إسرائيل التقليدية).
وحول ارتفاع معدلات الهجرة بعد معركة "طوفان الأقصى"، نوه المختص في الشأن الإسرائيلي إلى عدة اعتبارات: (إسرائيل) لم تعد آمنة ولا يشعر غالبية الإسرائيليين بالأمان، كما أن هناك غالبية إسرائيلية تعتبر أن الحرب استخدمت لمصالح حزبية وخاصة.
مصالح حزبية وأهداف متطرفة
ومن وجهة نظر الخبير الاقتصادي عبد التواب بركات فإن الحقائق السابقة تعكس الرغبة المتزايدة للإسرائيليين في الهجرة العكسية خلال السنوات الأخيرة، ما يسبب القلق داخل مجتمع النخبة الإسرائيلي؛ لأنه يدرك أن الهجرة العكسية خاصة أصحاب الكفاءات المهنية والأكاديمية تشكل تهديداً لأمن (إسرائيل) وتساهم في احتضارها وزوالها.
واستعرض بركات عدة أسباب وراء هجرة الأكاديميين الإسرائيليين: الحرب على غزة ودول المنطقة، "الانقلاب القضائي" برئاسة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو مطلع 2023 وبالتالي تراجع ميزانية البحث العلمي.
وأشار إلى محاولات أعضاء حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة إخفاء أرقام الهجرة المفزعة والتقليل من خطورتها، لكن الدوائر الرسمية ومراكز الأبحاث فضحت ذلك ليكون "جرس إنذار وعلامة تحذيرية خطيرة"؛ لمحركات النمو في الاقتصاد الإسرائيلي، الأمن القومي، التكنولوجيا المتقدمة، وقدرة المجتمع والدولة على الصمود.
ونوه إلى أن ذلك يتعارض مع جهود قادة الكيان الذين بذلوا جهودا جبارة لاستقدام اليهود والاستيطان في أرض فلسطين، ولذلك فإن تقويض الهجرة لـ(إسرائيل) وزيادة الهجرة العكسية هما أخطر ما يهدد الكيان الإسرائيلي عدا عن صعوبة التعايش بين مكونات المجتمع الإسرائيلي.
بحسب معطيات "دائرة الإحصاء" فإن 25.4% من الذين يحملون شهادة الدكتوراه في الرياضيات، و21.7% من الذين يحملون شهادة الدكتوراه في علوم الحاسوب، و19.4% من الذين يحملون شهادة الدكتوراه في علم الوراثة، و17.3% من حملة شهادة الدكتوراه في علم الأحياء الدقيقة، و17% من خريجي الدكتوراه في الفيزياء، و14% من خريجي الدكتوراه في الكيمياء، و14% من حملة شهادة الدكتوراه في هندسة الكهرباء والبيولوجيا، يعيشون ويعملون حاليا خارج (إسرائيل).
وتتركز الأزمة بشكل حاد في العلوم الدقيقة، حيث يعيش 25.4% من حملة الدكتوراه في الرياضيات خارج (إسرائيل)، تليها تخصصات حيوية مثل علوم الكمبيوتر (21.7%)، وعلم الوراثة (19.4%)، والفيزياء (17%)، والكيمياء والهندسة الكهربائية وعلم الأحياء (حوالي 14%).
إلى جانب ذلك، تقول صحيفة "هآرتس" العبرية إن التغيرات القضائية تزامنت مع "هجمات لفظية" من وزراء في الحكومة المتطرفة ضد المراكز الأكاديمية والبحثية عدا عن تعرض قطاع التعليم العالي لاستقطاعات حادة في ميزانيته بلغت 218 مليون دولار تم توجيهها لتمويل مصالح حكومة اليمين المتطرفة مثل دعم الاستيطان والمستوطنات.
ونوهت "هآرتس" أن تلك المعطيات السابقة جاءت بالتزامن مع المقاطعة الأكاديمية الدولية لـ(إسرائيل) التي ارتكبت حرب إبادة جماعية ضد 2.4 مليون إنسان في غزة

