شهد قطاع غزة خلال العام الماضي والعام المنصرم ظروفًا اقتصادية استثنائية وغير مسبوقة، نتيجة استمرار الحرب وما رافقها من دمار واسع في البنية التحتية، وتعطل سلاسل التوريد، وتقييد الحركة التجارية، إلى جانب انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين.
وانعكست هذه الأوضاع بشكل مباشر على مختلف القطاعات الإنتاجية، ولا سيما القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية، التي تُعد الركيزة الأساسية للاقتصاد المحلي ومصدر دخل رئيسيًا لآلاف الأسر.
وأكد رجل الصناعة علي الحايك أن القطاع الصناعي في غزة تعرض لخسائر جسيمة خلال العامين الماضيين، حيث تضررت أعداد كبيرة من المنشآت الصناعية بشكل كلي أو جزئي، وتوقفت نسبة كبيرة منها عن العمل بسبب استهداف المصانع والمناطق الصناعية، ونقص المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، وانقطاع الكهرباء وشح الوقود، فضلًا عن فقدان الأسواق المحلية والخارجية.
وأضاف الحايك، لـ "فلسطين أون لاين"، أمس، أن ذلك أدى إلى انخفاض حاد في حجم الإنتاج، وتسريح أعداد كبيرة من العمال، وتراجع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي، ما ساهم في ارتفاع معدلات البطالة والفقر
كما واجه القطاع التجاري تحديات كبيرة، تمثلت في إغلاق المعابر وتعطّل حركة الاستيراد والتصدير، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين نتيجة فقدان الدخل وارتفاع البطالة، إلى جانب تلف البضائع بفعل القصف أو صعوبة التخزين والنقل، وارتفاع تكاليف التشغيل والمخاطر التجارية. واضطر العديد من التجار إلى تقليص نشاطهم أو إغلاق منشآتهم بشكل مؤقت أو دائم، في ظل غياب الاستقرار الاقتصادي وضعف السيولة النقدية في الأسواق.
وأوضح الدكتور ماهر الطباع، المسؤول في غرفة تجارة وصناعة غزة والخبير الاقتصادي، أن الحرب المستمرة على قطاع غزة لأكثر من عامين تسببت في محو مكاسب تنموية تراكمت على مدار عقود، وأدت إلى دمار هائل تجاوز 90% من القطاعات الاقتصادية والإسكانية والبنية التحتية، مع تقدير الخسائر بنحو 70 مليار دولار.
وأضاف الطباع، لـ"فلسطين أون لاين"، أن تلك الفترة شهدت ارتفاعًا كبيرًا في معدلات الفقر والبطالة، واتساع فجوة انعدام الأمن الغذائي، وصولًا إلى حالة مجاعة استمرت عدة أشهر، حذّرت المؤسسات الدولية من خطورة استمرارها.
وأشار إلى أن مؤشرات النمو والإنتاج تعرضت لانهيار غير مسبوق، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة انخفاضًا حادًا أعاد الاقتصاد إلى مستوياته قبل أكثر من 20 عامًا.
وبيّن أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في غزة انخفض بنسبة تجاوزت 84% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2023، في ظل انكماش اقتصادي واسع النطاق.
وأضاف أن نصيب الفرد من الناتج المحلي تراجع إلى نحو 161 دولارًا فقط، وهو الأدنى عالميًا، حيث فقد الفرد ما يقارب 94% من قوته الاقتصادية مقارنة بعام 2005، نتيجة توقف وتراجع معظم الأنشطة الإنتاجية الزراعية والصناعية والإنشائية بشكل شبه كلي، بفعل التدمير المباشر للمنشآت والبنية التحتية.
وأكد الطباع أن جميع هذه المؤشرات تدل على أن قطاع غزة يعيش حالة انهيار اقتصادي كارثي شامل، معتبرًا أن القطاع بات نموذجًا لأكبر سجن في العالم في ظل الحصار والدمار المستمرين.
ودعا المؤسسات والمنظمات الدولية والمجتمع الدولي إلى تحرك عاجل وحقيقي للضغط على الاحتلال من أجل إنهاء حصاره لقطاع غزة، وفتح جميع المعابر التجارية، والسماح بإدخال احتياجات القطاع كافة، وعلى رأسها مواد البناء دون قيود أو شروط، إضافة إلى ضمان حرية حركة المواطنين.
ولم يكن القطاع الزراعي بمنأى عن آثار الحرب، إذ تعرض لخسائر كبيرة شملت تجريف الأراضي الزراعية، وتدمير البيوت البلاستيكية، ونفوق الثروة الحيوانية، وتضرر مزارع الدواجن، كما أشار المهندس نزار الوحيدي، الخبير الزراعي والبيئي.
وأضاف الوحيدي، لـ"فلسطين أون لاين"، أن نقص المدخلات الزراعية، مثل البذور والأسمدة والأعلاف، وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية في بعض المناطق، أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي المحلي، وزيادة الاعتماد على المساعدات، وتهديد الأمن الغذائي لسكان القطاع.
وشدد الوحيدي على أن إنعاش القطاعات الإنتاجية في غزة يُعد مدخلًا أساسيًا لتحقيق التعافي الاقتصادي والاجتماعي، ويتطلب تضافر الجهود المحلية والدولية، ودعم صمود أصحاب المنشآت والعاملين فيها.

