فلسطين أون لاين

آخر الأخبار

تقرير بقالة الأمل... كيف سرقت الحرب حلم شقيقين؟

...
بقالة الأمل... كيف سرقت الحرب حلم شقيقين؟
غزة/ جمال محمد:

في أحد شوارع غزة، أمام مستشفى الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، وقف محمد أبو حصيرة، شاب لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، خلف طاولة خشبية صنعها بنفسه، إلى جانبه، كان شقيقه أحمد، يكبره بعام، يساعده في ترتيب الحلوى والبسكويت وبعض الحاجيات للأطفال.

على الرغم من الأوضاع الصعبة، كانت ضحكات "محمد" تملأ المكان وتجذب الأطفال الذين أحبوه لابتسامته الدافئة وروحه المرحة.

لم يكن افتتاح البقالة الصغيرة مجرد مشروع تجاري، بل كان طوق نجاة لعائلة أنهكتها حرب الإبادة، فقد اضطر الشقيقان للبحث عن مصدر رزق بعد أن دُمرت فرص العمل، وتفاقمت الأوضاع الاقتصادية بسبب الحصار والقصف المستمر.

صنع الشقيقان، سقفًا من البلاستيك، وضعوا بضاعتهم البسيطة، وقرروا مواجهة الحياة بأمل، ولو من تحت ركام الحرب الطاحنة التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر عام 2023.

photo_2025-03-24_21-34-02.jpg
 

لحظة وداع

ومع ظهر يوم الثلاثاء 18 من الشهر الجاري، كان الشقيقان معًا كما اعتادا، لكن "أحمد" قرر الذهاب إلى المنزل الذي دمره القصف جزئيًا ليصلي الظهر لم يكن يعلم أن هذه اللحظات ستكون الأخيرة التي يرى فيها شقيقه حيًا.

في لحظة خاطفة، شقت طائرة مسيّرة سماء غزة، وأطلقت صاروخًا نحو الأطفال الذين كانوا يلعبون أمام مستشفى الشهيد عبد العزيز الرنتيسي بحي النصر بمدينة غزة، هرع "أحمد" وفق ما قاله لصحيفة "فلسطين" عائدًا إلى المكان، وصدمه المشهد جثث صغيرة متناثرة، صرخات، ودماء تغرق الأرض. قلبه كان يبحث عن شقيقه "محمد" وسط الفوضى، حتى وقع بصره عليه.

ويقول وقد بدت عيناه تتلألأ بالدمع: "كان محمد، ممددًا على الأرض، والدماء تنساب من رأسه وصدره، حاولت أن أكلمه وأن أوقف النزيف، لكن بلا جدوى.

ويضيف: كان محمد، قد غادر الحياة التقط أنفاسه الأخيرة قبل أن أصله، تاركًا خلفه متجره الصغير، وأحلامه، وضحكته التي لم تغب عن وجوه الأطفال.

ويردف بحزن: "كان دائمًا معي، لا يفارقني لحظة، رحل صائمًا، كان مواظبًا على الصلاة، لا يترك فرضًا، حتى عندما كنت أطلب منه أن نحتفل بزفافنا معًا، كان يبتسم ويقول: الوقت لم يحن بعد، وكأنه كان يشعر أن الزمن لن يسعفه.

والد مفجوع

في منزل العائلة، الذي لم يسلم من قذائف الاحتلال، جلس الأب أسعد أبو حصيرة، محاطًا بالأقارب والجيران الذين جاؤوا يواسونه في مصابه، وقد بدا الرجل منهكًا، كأنما لم يتبقَ في قلبه مساحة لمزيد من الألم.

وأخذ يحدث صحيفة "فلسطين" قائلًا: "لم أتخيل يومًا أن أفقد أحد أبنائي، فعندما اشتدت الحرب، أجبرنا على النزوح القسري بحثًا عن الأمان، تنقلنا بين مدينة رفح وخانيونس جنوبي القطاع، ثم لمدينة دير البلح وسط القطاع، لكن لا مكان آمن هنا.

ويردف الأب بحزن: وعندما توصلت المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي بوساطة أمريكية ومصرية وقطرية، لوقف اطلاق النار وفُتح ما يسمى حاجز "نيتساريم" – الذي يفصل شمال القطاع عن جنوبه وكانت تسيطر عليه قوات الاحتلال-، قررنا العودة إلى منزلنا، رغم الدمار الذي أصابه ظننا أننا قد نجد بعض الاستقرار، لكن الموت كان ينتظرنا هنا".

يلفت إلى أنه حاول ترميم البيت بما توفر، بينما لجأ "أحمد ومحمد" إلى نصب خيمتهما الصغيرة لبيع الحلوى، كانا يحلمان بالقليل، بقوت يومهما، بأن يواصلا الحياة وسط هذا الدمار، لكن الحرب لا تترك شيئًا، لا تفرق بين طفل وبائع صغير، بين حلم وحقيقة.

وأخذ الأب يحدق في السماء بصمت، ربما كان يسألها: "لماذا خطفتم ابني؟"، وربما لم يكن ينتظر إجابة، ففي غزة، أصبح السؤال بلا إجابة، والحياة بلا يقين، والموت هو الخبر اليومي الذي يطرق الأبواب بلا استئذان.

وفجر الـ 18 مارس، استأنفت (إسرائيل) هجومها العنيف على غزة، فالقصف لم يفرق بين صغير وكبير، واستهدف البيوت والمستشفيات والشوارع، في ذلك اليوم وحده، استشهد أكثر من 400 فلسطيني وأصيب 600 آخرون، معظمهم كانوا نائمين وقت السحور. كان هذا التصعيد الأكبر منذ وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة قطر ومصر والولايات المتحدة في الـ19 يناير الماضي.