منذ لحظة بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، هرعت مها لتجهيز بيتها وتأمين احتياجات أبنائها الخمسة في مكان واحد قدر الإمكان، ليكونوا معًا يشدون من أزر بعضهم بعضا في ظل غياب والديهم لتأدية مهامهم في الإسعاف والطوارئ.
تعمل مها وافي (41 عامًا) ضابط إسعاف ضمن طواقم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني منذ الانتفاضة الثانية.
وتقول لصحيفة "فلسطين"، إن تلك الأيام كانت أهون بجانبها النفسي، فقد كانت متزوجة حديثًا، ولم ترزق بعد بأبناء، "ومع بدء الحروب الإسرائيلية على القطاع شعرت بأني بين محكين، عملي وحبي له، وترك أبنائي وحدهم في البيت في ظل عمل زوجي في المهنة ذاتها".
وبين مشاعر مختلطة تعيش وافي وزوجها أيام العدوان في أي مواجهة بين المقاومة والاحتلال، وما بين أخبار تتوارد عن استهداف هنا وآخر هناك، يجتهد عقلها لإسعاف الجرحى بينما ينفطر قلبها قلقًا على أبنائها.
تضيف: "لا أخفي عليكم حجم الخوف الذي يمكث في قلبي على أبنائي الذين أتركهم بمفردهم في البيت، يستمعون لأصوات القصف وأخبار الشهداء دون أن يكون والدهم أو والدتهم حولهم تخفف عليهم التوتر والقلق".
خلال العدوان، كل يوم هو بمنزلة وداع جديد بين "مها" وأبنائها، يقف أكبرهم وهو في عامه الجامعي الثالث حتى أصغرهم "أحمد" الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات عند باب البيت، تحبس عيونهم الدمع.
تحاول تهدئة أحمد بأنها ستجلب له السكاكر عند عودتها، لكنه يجيبها: ما بدي بسكويت ولا شوكولاتة أنا بدي إياكي (...) "يتقطع قلبي عليه ولكن ليس بيدي حيلة، أخرج وأنا أحصنها بالمعوذات والأدعية".
تتابع مها: "عملي الميداني داخل سيارة الإسعاف يحتم عليّ أن أكون على استعداد تام للانطلاق تحت أي ظرف، لكن أكبر مخاوفي أن تكون إشارة الانطلاق إلى السطر الغربي من مدينة خان يونس حيث أسكن، أو أن أقدم الإسعاف لأحد من عائلتي وأقاربي، الأمر صعب خاصة أن الإصابات شديدة".
"وبدون مبالغة خلال فترة دوامي من الساعة السابعة صباحًا حتى الثالثة مساءً أهاتف أبنائي فوق 50 مكالمة للاطمئنان عليهم، ومع سماع صوت كل صاروخ قد يكون قريبًا منهم، في محاولة مني لأكون بجانبهم"، وفق حديثها.
وأكثر ما يجعل "مها" تأنب نفسها عندما يخاطبها أبناؤها: "كل الناس أمهم وأبوهم عندهم إلا إحنا بنعيش الخوف لحالنا"، حينها تشعر بأن سكاكين تقطع قلبها وهي تكلم صغارها، تسمعهم يبكون ويصرخون بسبب القصف.
وتستكمل: "هذا إلى جانب خوفي على زوجي بأن يصاب في أي وقت، فالاحتلال لا يفرق في هجماته الشرسة بين مسعف أو صحفي أو طفل، حتى أبنائي يعيشون أجواء أشد قسوة، فهم أيضًا يتابعون الأخبار خشية أن يلحق بنا أي أذى، فوالدهم يغيب عن البيت طيلة فترة العدوان لعمله ضمن طواقم الإسعاف والطوارئ، ولا يشعرون بالطمأنينة إلا عند عودته إلى البيت".
وبنبرة أسى تتحدث عن مشاعرها: "أجد نفسي مقسومة إلى نصفين، فأنا لا أستطيع أن أترك عملي في مثل هذه الأوضاع والذي يكون بأمس الحاجة لي، وقلبي يتحسر على أطفالي الذين يعيشون مشاعر الخوف والرعب وحدهم".
وعاد الهدوء إلى قطاع غزة بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار الشامل والمتبادل بين المقاومة والاحتلال حيز التنفيذ بدءا من الساعة 23:30 مساء الأحد الماضي.
وبدأ الاحتلال عدوانه على غزة، عصر الجمعة الماضي، باغتيال القيادي العسكري البارز في حركة الجهاد الإسلامي تيسير الجعبري داخل برج سكني بدعوى تخطيطه لعمليات ضد (إسرائيل)، واستمر لمدة ثلاثة أيام، وأسفر عن استشهاد 44 مواطنًا من بينهم 15 طفلاً وأربع سيدات، وفق معطيات نشرتها وزارة الصحة.

