تقرير بين المقابر وجذوع الأشجار.. تقاوم "العراقيب" نكبة لم تنتهِ

...
قرية العراقيب في النقب المحتل
العراقيب-غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

رغم مرور 74 عامًا على نكبة الشعب الفلسطيني، لم تخبُ ملامح "النكبة" يومًا في قرية "العراقيب" التي تعاني الملاحقات والهدم المستمر بغية تكرار "سيناريو النكبة الفلسطينية" والاستيلاء على أرضهم وإحلال مستوطنين فيها، لكن مع كل تلك المعاناة فإنّ أهلها نساءً ورجالًا يبيتون بين القبور ولا يتركون أرضهم.

فالشابة علياء أبو مديغم "24 عامًا" عاشت طفولة صعبة في "العراقيب" ففتحت عينيها على الدنيا وهي تعيش بين المقابر، التي لا يتركها الاحتلال الإسرائيلي في حالها بل يدهم بين الفينة والأخرى بيوت أهلها التي هي عبارة عن خيام أو بيوت من النايلون.

فللمرة الـ201 يهدم الاحتلال بيوت أهل "العراقيب" ويقلبها رأسًا على عقب بغتةً، لكن تلك الإجراءات الهمجية لا تفت في عضد أبو مديغم وأسرتها، التي تؤكد أنها لن تتوقف عن النضال لأجل "أرض العراقيب" إلا في حالة واحدة هي استشهادها برصاص الاحتلال.

فلقد دفعت أبو مديغم وأهل العراقيب للاحتفاظ بالأرض ثمنًا غاليًا منذ أن أبصرت عيناها الدنيا، فأنْ تعيش حياة بدائية دون كهرباء ولا ماء ولا طرق ولا حتى بيت، وتذهب للدراسة مع أقرانها في "رهط" و"بئر السبع" وترى كيف يعيشون في بيوت حديثة يوجد فيها غرف ومطابخ حمامات كان أمرًا غاية في القسوة على نفس تلك الطفلة الصغيرة.

كان أقرانها غير قادرين أبدًا على استيعاب نمط حياتها وكيف لها أنْ تعيش بين القبور محرومة من كل الخدمات، بجانب غيابها عن المدرسة أوقاتًا طويلة بسبب حصار الاحتلال للقرية في ذلك الوقت محاولًا إجبار أهلها على تركها.

لم يكن أمام علياء سوى البكاء الحار وهي طفلة ترى نفسها تعيش بلا سقف ولا خدمات ودون أي معالم للحياة الطبيعية، وحينها باتت في العراء على جذوع الأشجار ليالي طويلة عندما هدم الاحتلال مسكنهم، لكنها اليوم وهي شابة أدركت معنى ما كانت وما زالت تردده أمها على مسامعها هي وأشقاؤها بأن "العراقيب هي أمهم الثانية التي لا يجب أن يتركوها مهما كان".

خط أحمر

فإدراك أبو مديغم لمعنى "الأرض" جعلها واحدة من أهم الناشطات في العراقيب اللاتي يقفن جنبًا إلى جنب مع الرجال في مواجهة سياسة التهجير الإسرائيلية رغم ما تعرضت له من أذى حين تعرضت للاعتقال والضرب المبرح الذي تعاني آثاره حتى اليوم.

فمنذ عام 2010م قد بات أمرًا اعتياديًا لديها أن تستيقظ من نومها فجرًا فتجد جنود الاحتلال الإسرائيلي قد أحاطوا بالقرية وقلبوها رأسًا على عقب، "فهذا الواقع سيستمر إلى حين أن تتحرر بلادنا منهم، وحتى يحدث ذلك فإن العراقيب بالنسبة لنا خط أحمر".

وإذ تبين أبو مديغم أنها تعيش حاليًّا مع والديها وأربعة مع أشقائها في سيارة "فورد تتسع لـ12 راكبًا"، حيث يفرشون فراشهم بين كراسيها، "هناك أيضًا آخرون يعيشون في سيارات متنقلة مثلنا، هذه السيارة بالنسبة لي تساوي الكرة الأرضية بأكملها فهي رمز صمودي في أرضي".

وترى أن وضعها حاليًا أفضل بكثير من وضعها قبل سنوات حيث نامت خمسة شهور كاملة على جذع شجرة ومرات أخرى نامت في العراء بين قبريْ جدها وجدتها الذيْن توفيا وهما يوصيان أبناءهما وأحفادهما بألا يتركوا الأرض مهما حدث!

في العراقيب أيضًا فإن عائلة الشيخ "صياح الطوري" نالت جانبًا كبيرًا من الاعتداءات والمضايقات والملاحقات بسبب نشاطها البارز في الحفاظ على أرض القرية، فواجه الشيخ وأبناؤه الكثير من الأذى إلا أنهم مصممون على التمسك بأرض الآباء والأجداد.

وبينما كان يلملم عزيز صياح الطوري بقايا منازل القرية في صبيحة هدم الاحتلال الـ201 لها، جاء صوته عبر الهاتف مع "فلسطين" يحمل الكثير من التحدي للاحتلال الإسرائيلي وحكوماته العنصرية المتعاقبة، قائلًا: "هم يمارسون بحقنا الحكم العسكري الذي مارسوه بحق أجدادنا، ويجددون النكبة لدينا يومًا بعد يوم لكننا لن نرحل".

عنجهية الاحتلال

ويقول الطوري: كانوا في نكبة عام 48م وما بعدها يهدمون البيوت على رؤوس أجدادنا، وهم اليوم (التاسع من مايو الحالي الذي هدم فيه الاحتلال القرية للمرة 201) يربطون خيامنا وبيوتنا المصنوعة من النايلون والبلاستيك والخشب بمدرعاتهم العسكرية ثم يسحبونها ما يؤدي لهدمها.

ومضى إلى القول: "هم في كل مرة يعاملوننا بعنجهية، يريدون ترحيلنا من أرضنا ومحو هويتنا، واستعبادنا (...) فدون أي سابق إنذار تفاجأنا بهم في الساعة السادسة والنصف ونحن نيام وهم يقومون بهدم بيوتنا التي تؤوي 22 عائلة".

ويحاول الاحتلال الإسرائيلي استفزاز أهالي العراقيب بكل الطرق لتحويل ملفهم من نضالي لـ"جنائي"، "فأي تصرف منا تحت وطأة هدمهم لبيوتنا، يعتقلوننا ويحكمون علينا بالسجن والغرامات الباهظة، يريدون تصويرنا للعالم كأننا مجرمون غزاة وليس أصحاب الأرض الحقيقيين".

ويستدرك بالقول: "نحن على يقين بأن النصر آتٍ لا محالة، وأننا ملح هذه الأرض التي ولدنا وترعرعنا ولمسنا فيها الحياة، وتنشقنا فيها العزة والأنفة، وهنا قلنا ونقول كفى للرضوخ والانحناء، ولن نرحل أبدًا، فهنا ولدنا وهنا سنعيش".

ورغم "بدائية الحياة" في العراقيب فإن أهالي القرية مستعدون لتحمل كل الظروف الصعبة على ألا يُسلموا لأمر الاحتلال ويهجروا من أرضهم أو يسمحوا بضم مستوطنة "جفعوت بار" التي بنيت بمحاذاة القرية في عام 2005، تمهيدًا للاستيلاء على أرضنا.

وتحاول دولة الاحتلال منذ عام 2010 بكل الطرق إخراج أهالي "العراقيب" من أرضهم التي يوجدون فيها منذ عام 1905 ويملكون وثائق بيع وشراء لها عليها ختم الدولة العثمانية وتم تجديد الوثائق في العهد البريطاني في 1919م، فيما أثبتت الصور الجوية أن الأرض كانت مأهولة بالسكان وزراعية منذ 1936م.

وكانت الوكالة اليهودية تعمل منذ قبل الإعلان عن قيام دولة الاحتلال على الاستيلاء على الأراضي بالنقب بمختلف الطرق سواء الشراء أو الخداع أو التزوير وكان ذلك من خلال منحها أراضي كـ"العراقيب" لـ"الصندوق القومي اليهودي" لتبدأ في ملاحقة أهلها لطردهم منها.

ويستهدف الاحتلال العراقيب الواقعة في شمال النقب لكونها أراضي خصبة، لذلك تريد جعلها وقفًا لليهود ليستفيدوا منها دون غيرهم، وفي سبيل ذلك أوصل سكان القرية الذين كانوا يعيشون ازدهارًا اقتصاديًّا لحالة من الفقر جعلتهم عاجزين عن إعادة بناء منازلهم الخرسانية التي هدمت في 2010م ويعيشون داخل الخيام التي توفرها لهم الجمعيات الخيرية.