من عادات أعدائنا الزحف التدريجي

منذ قدموا إلى هذه البلاد، والتسلل من طبعهم، والتدرج في اغتصاب الأرض منهجهم، فقد استولوا على فلسطين قطعة إثر قطعة، واقتحموا المقدسات الإسلامية رويداً رويداً، وهذه عادات أعدائنا في تحقيق أطماعهم، وهم الذين جعلوا المستغرب والموحش مألوفاً، حتى صار اقتحام المسجد الأقصى، الذي كان منكراً قبل سنوات، صار مألوفاً، وحدثاً يومياً لا تسقط فيه السماء على الأرض، ولا يواجه على المستوى الرسمي إلا ببيانات الشجب والإدانة.

ولتأكيد ما سبق، لا بد من التدقيق في أحداث تاريخية جرت على أرض فلسطين، تكشف كيفية تسلل أعدائنا التدريجي، وسيطرتهم على المقدسات الإسلامية بالنفس الطويل.

سنة 1929 استشهد على أرض فلسطين، وفي ثورة البراق، أكثر من مئة عربي فلسطيني، ليحولوا دون اقتراب اليهود من حائط البراق، وفرضوا على اليهود القبول بالأمر الواقع رغم أنفهم، ولكن في سنة 1967، ومع هزيمة الجيوش العربية، واحتلال الصهاينة للقدس، قاموا بهدم حي المغاربة بالكامل، وهو الحي العربي الملاصق لحائط البراق، وتم تحويل المكان إلى ساحة، أطلقوا عليها "ساحة حائط المبكي" حدث هذا بعد أسبوع من احتلال القدس، حيث صار حائط البراق مكاناً يهودياً خالصاً.

ومنذ احتلال مدينة الخليل سنة 1967، بدأ اقتحام الحرم الإبراهيمي، وسمح لليهود بالصلاة في أروقته فقط، ولكن بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو، وقبل وصول السلطة الفلسطينية بعدة أشهر، تم التقسيم الزماني والمكاني للحرم الإبراهيمي، وكان القسم الأكبر من نصيب اليهود، وقد وصل الاعتداء الصهيوني حد إغلاق المسجد الإبراهيمي أمام المسلمين اليوم وغدًا، كي يتسنى للمستوطنين الاحتفال بأعيادهم في كامل المسجد، مع إقامة حفل موسيقي وتناول للخمور.

وبالعودة إلى المسجد الأقصى، ففي شهر 9 سنة 2000 سمح لعدد سبعة أفراد فقط من أمناء جبل الهيكل باقتحام المسجد الأقصى، ولكن في 28/9/2000، كسر زعيم حزب الليكود شارون الممنوعات، واقتحم المسجد الأقصى بشكل رسمي وسياسي، وكان ذلك سببًا لانتفاض الأقصى.

سنة 2003، وحين ضعفت انتفاضة الأقصى، بدأت الاقتحامات العلنية والدينية للمسجد الأقصى، وبأعداد كبيرة، واستمر ذلك على شكل مناوشات، ومبادرات يهودية، مع كل مناسبة دينية تخصهم.

سنة 2012، اقتحم عدد من أعضاء الكنيست المسجد الأقصى، وبقرار من المحكمة العليا الإسرائيلية، ليمسي اقتحام المسجد الأقصى عملًا مألوفًا.

أكتوبر 2021، سمح لليهود بإقامة شعائرهم في المسجد الأقصى، ولكن بصمت، وذلك وفق قرار قضائي صادر عن المحاكم الإسرائيلية.

سنة 2022 صار اقتحام المسجد الأقصى حدثًا يتكرر كل يوم، تقوم الشرطة الإسرائيلية بتأمين دخول المتطرفين اليهود لإداء شعائرهم، وتعتقل عشرات الفلسطينيين المرابطين في أروقة المسجد، ولا تلتفت لما تصدره القيادات العربية والفلسطينية من بيانات الشجب والإدانة.

ضمن هذه المعادلة التي تصب لصالح العدو الإسرائيلي، فإن المسجد الأقصى يسير على طريق الحرم الإبراهيمي، ويكفي أن نقارن بين ردة فعل العرب والفلسطينيين عشية اقتحام شارون للمسجد الأقصى سنة 2000، وعشية اقتحام المتطرفين اليهود للمسجد الأقصى هذه الأيام، وهذا مؤشر خطير، يحرض الفلسطينيين على التفكير بأشكال مقاومة جديدة وإبداعية، شرط تكون موجعة للعدو، وأن تشمل كل بقعة من أرض فلسطين.