قراءة في السلوك الإسرائيلي تجاه صواريخ "البرق" والمناورات الأخيرة

تشير أحداث اليوم الأول من العام الجديد -ومصدرها غزة و(تل أبيب)- إلى تطورات لافتة، على صعيد تنامي قدرات المقاومة الفلسطينية، لا سيما سقوط صواريخ قرب شواطئ (تل أبيب) من جهة، وإطلاق مضادات للطيران الإسرائيلي في أجواء غزة من جهة أخرى، والمناورات العسكرية الأخيرة من جهة ثالثة.

تؤكد هذه المعطيات الميدانية أن غزة ما زالت أكثر الجبهات توترًا لدى الاحتلال، على تواضعها قياسًا بجبهات تحوز قدرات أكثر، وإمكانات أثقل، لكنها محكومة بمعادلات سياسية، داخلية وخارجية، تجعلها مكبوحة في ردودها على الانتهاكات الإسرائيلية لأجوائها، في حين تبدو المقاومة في غزة "متحللة" من هذه المعادلات والاعتبارات.

بغض النظر عن تفسيرات المقاومة لما حصل من سقوط صواريخ قرب (تل أبيب)، التي تمثل الثقل السكاني والسياسي والاقتصادي لدى الاحتلال؛ إننا أمام تطور لن يكون بعيدًا عن مخاوف الاحتلال الأخيرة، التي قدرت أن أي مواجهة قادمة في غزة ستبدأ من حيث انتهت الجولة الأخيرة، ما يعني أن تكون في قلب الاستهداف الصاروخي للمقاومة عند إطلاق صفارة أي معركة قد تنشب، أو عدوان إسرائيلي قد يندلع.

في الوقت ذاته تبدو دوائر صنع القرار في الكيان الإسرائيلي مترددة إزاء الرد على الرسائل التي ترسلها المقاومة ببعض التحركات التي تبدو "عفوية" في بعض الأحيان، على غرار مسألة إطلاق الصواريخ بفعل البرق، والقناصة التي أصابت جنديًّا إسرائيليًّا، والصواريخ التجريبية باتجاه البحر، خاصة فيما يتعلق برفع الحصار عن غزة؛ بين مطالب بالرد على المقاومة بالقوة والزخم ذاتهما، حتى لو أدى ذلك إلى اندلاع معركة واسعة النطاق، أو استيعاب هذه التحركات الميدانية بدفع الوسطاء إلى احتواء الموقف.

في الحالتين لا يبدو ذلك كفيلًا بوقف تحركات المقاومة تجاه الضغط على الاحتلال لرفع الحصار عن القطاع، أو الشروع في إعادة الإعمار، والتخفيف من الأزمة الاقتصادية الخانقة، وصولًا إلى إبرام صفقة تبادل أسرى مشرفة، ما يعني أن يبقى الوضع الأمني بين المقاومة والاحتلال متأرجحًا بين توتر تدريجي، وتهدئة مؤقتة، وإمكانية انفجار الموقف فجأة إلى مواجهة قد لا يرغب بها الجانبان، لكن يجدان أنفسهما مندفعين إليها، لاعتبارات تخص كل طرف على حدة.

يزداد الوضع حرجًا لدى الاحتلال فيما يتعلق بالوضع الأمني في غزة، إذا نظرنا إلى جبهاته المشتعلة من حوله، وقربه من اتخاذ قرار مصيري فيما يتعلق بالتعامل مع الملف النووي الإيراني، ورغبته بعدم تراكم الجبهات العسكرية القتالية مجتمعة، صحيح أن ذلك قد يجعله أقرب للاستجابة لمطالب المقاومة، لكنه قد يستدعي فعلًا قراءة أعمق لمدى قدرته على إبداء مرونة أكبر، وفي الوقت ذاته عدم ظهوره خاضعًا للمقاومة، ما قد يخسره نقاطًا داخلية.