أدخلتهم في سياسة العقاب الجماعي وتجاهلت عواقبها على أطفالهم 

تقرير منتفعو "الشؤون الاجتماعية" يموتون "جوعًا ومرضًا" والسلطة تواصل حرمانهم حقوقهم

...
وقفة لمنتفعي الشؤون الاجتماعية سابقة بغزة (تصوير: ياسر فتحي)
غزة/ يحيى اليعقوبي:

 

داخل المنزل تجمع آمنة أبو موسى "أم حاتم" الحطب والأخشاب من الطرقات، وتوقد النار في مطبخها؛ لعدم امتلاكها ثمن تعبئة أسطوانة الغاز، لينتشر دخان الطهي في كل غرف المنزل الذي لا تتوافر فيه تهوية مناسبة لخروج الدخان، لكنها باتت وسيلتها الوحيدة لإسكات أنات الوجع والجوع في بطون أطفالها.

بين زقاق مخيم "المغازي" للاجئين وسط قطاع غزة، تعيش أبو موسى وأطفالها الثمانية حياة كارثية لا يتوافر فيها أدنى احتياجاتها الأساسية؛ نتيجة عدم صرف السلطة لمخصصات الشؤون الاجتماعية التي تستفيد منها العائلة.

 في بيت مسقوف بـ"الأسبست"، لا يوفر لهم حمايةً من مياه الأمطار، يتسابق الأطفال وأمهم مع المطر، وهم يضعون أواني تحت كل ثقب، حتى لا تتدفّق داخل الغرف، وحينما تمتلئ يسكبونها خارج المنزل، ويعاودون الكَرَّة تلو الأخرى لتضاف معاناة أخرى لمعاناته.

"احنا ثمانية أفراد، ومن سنة لم نقبض الشؤون" تروي أبو موسى لصحيفة "فلسطين" حكايةً من وجعها مع الحياة.

ترسم صورة أخرى للمعاناة: "لا أستطيع دفع رسوم الفصل الجامعي الأخير لابني فتعطل هذا العام، ابنتي لديها شهادة تخرج محتجزة ولا أستطيع تحريرها، لا أستطيع كسوة أبنائي في مدارس الإعدادية والابتدائية، ولا إعطاءهم مصروفًا يوميًا".

أمام انعدام الدخل نتيجة عدم صرف مخصصات الشؤون الاجتماعية منذ عام، ورفض موزع الغاز تعبئة أسطوانتهم دينًا، لجأت أم حاتم لإشعال الحطب داخل بيتها لإطعام أطفالها لكن هذا الأمر أثر في صحتها، فقبل أيام نُقلت إلى المشفى في إثر اختناق تعرضت له من جراء إيقاد الحطب داخل المنزل.

بدت منهكة متعبة، بتنهيدة اختصرت حكايتها "الواحد مش قادر يتحمل أكثر من هيك.. حرام اللي بعملوه فينا".

"ليش ما بصرفوا المخصصات؟ مش عارفة كيف بدنا ندبر حالنا".. كلمات ممزوجة بالوجع والحسرة لم تجد أبو موسى سواها لتصف ما حل بها وبأسرتها.

"هل كان المبلغ يكفي أصلاً؟".. سؤال تطرحه وتجيب عنه بنفسها: "بالكاد كان يلبي احتياجاتنا من ديون ولقمة عيش". 

الدفعة الوحيدة التي حصلت عليها كانت منذ ستة أشهر، بواقع 750 شيقلًا، لم تغير طعم الحياة المرَّة شيئًا.

وفي مايو/ أيار الماضي صرفت وزارة الشؤون الاجتماعية "سلفة" مالية بقيمة 750 شيقلًا للأسر الفقيرة المعتمدة في برنامج التحويلات النقدية، التي يبلغ عددها قرابة 116 ألف أسرة. 

مصير مجهول

قبل أسبوع ودع الشاب بنان زكريا الفقعاوي (24 عامًا) وإخوته الثمانية، والدهم المريض بالقلب، بعد تدهور حالته الصحية كان السبب الأساسي فيها عدم تمكنهم من شراء عشر حبات دواء شهريًا يبلغ إجمالي ثمنها 350 شيكلاً، نتيجة عدم صرف مخصصات الشؤون الاجتماعية التي تمثل دخل العائلة الوحيد.

قبل عام أجرى والده عملية جراحية بالقلب وأوصى الأطباء بأخذ حبات الدواء شهريًا وبانتظام حتى لا يحدث انسداد بالشرايين، لكن العائلة لم تستطع توفير إلا ثمن الدواء لشهرٍ واحد، "لقد تعب أبي كثيرًا خلال هذا العام، وكان يحاول جاهدًا العمل في دهان المنازل في بعض الأحيان لتوفير ثمن الدواء وإعالتنا، لكوننا لم نتحصل على فرصة عمل"، يحرر بيان كلمات القهر من قلبه في حديثه لصحيفة "فلسطين".

رحل الأب وترك خلفه حملاً ثقيلاً على الأبناء بمواجهة تحديات الحياة، وظروفها بلا دخل ولا معيل، يتجرعون مرارة الفقد من جهة، ومن جهة أخرى يتحدون ظروفًا قاسيةً تفرض أغلالها عليهم، يعرض بنان جانبًا مما تواجهه العائلة "لا نستطيع الآن تعبئة أسطوانة الغاز، في وجود أبي كنا نستطيع الاستدانة من البقالة وموزع الغاز الآن لا نستطيع ذلك"، محملاً السلطة المسؤولية عن وفاة والده "فلو كانت تصرف المخصصات لكنا نستطيع شراء الدواء له" كما قال.

تفرض الظروف أحكامها القاسية في داخل هذا البيت، فكل شيء تأجل إلى حين صرف الدفعات المالية، هكذا تتراكم الديون يوما بعد آخر، وشهرا وراء شهر، يتوقف حال بنان وإخوته، لكنه يتعلق بـ "قشة أمل" أن الظروف ستتحسن وتتبدل، وإلى ذلك الحين "الله أعلم بالحال".. كلماتٌ ختمها لكنها كافية لتلخيص واقع العائلة الصعب.

كان من المقرر صرف الدفعة المالية الأولى نهاية شهر مارس الماضي، على أن تُصرَف الدفعة الثانية مطلع يونيو/ حزيران الماضي، ولكن الوزارة في رام الله لم تصرفهما، واكتفت بصرف سلفة في مايو.

عام الجحيم

ووصف المتحدث باسم الهيئة العليا للمطالبة بحقوق منتفعي الشؤون الاجتماعية صبحي المغربي، عام 2021م بأسوأ عام يمر على آلاف العائلات المستفيدة وكان "عام الجحيم" على الأسر الفقيرة، مؤكدًا أن السلطة استخدمت سياسة ممنهجة لتجويع أهالي قطاع غزة وأدخلت منتفعي الشؤون في "لعبة العقاب الجماعي" دون الاكتراث لمعاناتهم الإنسانية.

وقال المغربي في حديثه لصحيفة "فلسطين"، إن عدم صرف مخصصات الشؤون فاقم حياة عشرات الأسر من منتفعي الشؤون الاجتماعية، فهناك آلاف الطلاب تعطلوا عن دراستهم الجامعية، في حين يلجأ بعضهم لأخذ الخضراوات الفاسدة من أسفل بسطات الأسواق ليسدوا رمق أطفالهم.

وبحسب المغربي، فإن هناك 81 ألف أسرة تستفيد من الشؤون الاجتماعية، منهم 53 ألف من ذوي الإعاقة، و28 ألفاً من كبار السن والمرضى، و10 آلاف أرملة، و725 منفصلة وكلهم تحت خط الفقر، تصرف هذه المساعدات لهم كل ثلاثة أشهر خلال العام، أي بواقع أربع دفعات سنويًا، بحد أدنى 750 شيقلًا، وبحد أعلى 1800 شيقل، إلا أن السلطة لم تصرف أي دفعة.