تقرير "مطار غزة".. مبادرة لإنعاش ذاكرة الشبان الغزيين بتاريخهم

...
مطار غزة المدمر
غزة - هدى الدلو

 

طُلب منها في جلسة عصف فكري شبابي اقتراح فكرة مبادرة تخدم الوضع الراهن في قطاع غزة ومن شأنها تشجيع الشباب على القراءة، فاقترح زملاؤها الكثير من الأفكار وجدها المشرفون "مستهلكًا" كتلوين الحارات، ومكتبة متنقلة، وحكواتي، ويوم أنشطة للأطفال، إلى أن قطع زميلهم فارس ضجيج اقتراحاتهم، قائلًا: (ليش ما نعمل اشي عن المطار)؟

أبسط أحلام الشباب

فردت عليه إحدى زميلاته: مطار شو؟ فقد كان الأمر صادمًا لغالبية فريق "نخيل الشمال" التطوعي الذين صُدموا بأنه يومًا ما كان هناك شيءٌ اسمه "مطار غزة الدولي"، ما أشعر منسقة مبادرة "مطار غزة الدولي" في مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي بيسان نتيل بالقلق من اندثار محطات من تاريخنا الفلسطيني بسبب عدم توثيقها جيدًا، خاصة تلك التي حولها الاحتلال الإسرائيلي لـ"كوابيس".

بدأت نتيل أولى خطوات مبادرتها بزيارة لأعضاء الفريق للمطار رغم أن التنسيق لها لم يكن سهلًا لخطورة الوضع الأمني، وعندما جاءها اتصال من "وزارة الداخلية والأمن الوطني" لإعلامها بالموافقة، شعرت لوهلة أن عليها تحضير جواز السفر، فهذا الشعور الذي انتابها لثوانٍ معدودة كان كافيًا في نظرها لتشعر بما تفتقد له من حقوق لمجرد كونها فلسطينية، يقتلع الاحتلال منها أبسط أحلامها.

وفي الزيارة ردد الماضي صداه في أذن الشابة المشاركة في المبادرة فاطمة حسونة: "السادَة المُسافرون، نُعلمُكم أن الطائرةَ المتوجهةَ إلى الأراضي السورية ستُقلعُ الآن، الرجاء ربط الأحزمة والاستعداد للرحلة، كما نتمنى لكم قضاء وقتٍ ممتع على متن طائرة الخطوط الفلسطينية"، فقد تخيلت كما لو أنها تشاهدُ تلك التفاصيل تحدث أمامها، فأغمضت عينيها كثيرًا كي تُثبت تلك المشاهد في عقلها، رغم تأكدها أنها ستعود بعد بُرهةٍ لتجد أثرَ خطوِ أقدامها.

في حين يبين الشاب زيد بلاطة بأنه في أثناء مروره في أرض مطار غزة كان يمشي بروية وتوخٍ خوفًا من أن يدوس التاريخ تحت أقدامه، متمسكًا بأرضه رغم كل الظروف التي تعصف بهم.

حماية الهوية الفلسطينية

وتشير نتيل إلى أن مبادرة مطار غزة الدولي "مطار ياسر عرفات"، ضمن مجموعة مبادرات تنفذها مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي على مستوى قطاع غزة.

وتقول: "أصبت بحالة صدمة عندما عرفت أن شبابًا لا يعرفون شيئًا عن مطار غزة الدولي، وبالتأكيد يجهلون مواقع أخرى موجودة في مدينتنا، فكان لزامًا علينا حماية الهوية الفلسطينية من الاندثار، بدءًا بتوعية الجيل بأنه في يوم ما كان هناك مطار بغزة".

وقد تم التواصل خلال المبادرة مع الأشخاص الذين كانوا يعملون في المطار ليتحدثوا عن تجربتهم بالعمل فيه وتاريخ بنائه والمسؤولين عنه، وتجربتهم الوجدانية والمراحل السياسية التي مرت بهم، ومضايقات الاحتلال الإسرائيلي في فترة تشغيل المطار، والرحلات الجوية من مطار غزة الدولي.

وتشير نتيل إلى أن القائمين على المبادرة استمعوا لحديث العاملين في المطار عن مشاعرهم بوجودهم فيه بعد فترة زمنية طويلة من توقفهم عن العمل، وحديثهم عن المهام التي قاموا بها خلال فترة عملهم، وشعورهم بسيادة دولة فلسطين من خلال المطار، التي حاول الاحتلال طمسها ومحوها بتدميره.

وبهدف تشجيع الشباب الفلسطيني على القراءة للتعرف إلى الأماكن الموجودة في بلاده لحفظ الذاكرة والهوية الفلسطينية، سيقوم المبادرون بتوثيق التاريخ الشفوي للعاملين في المطار في كتاب سيتم ترجمته لاحقًا. 

تقول نتيل: "لقد كان شعورًا رهيبًا لا يُكتب ولا يُترجم، مليئًا بالتناقضات ما بين الأمل والحسرة، ويطمحون لتوثيق التاريخ الشفوي لأي حدث تاريخي مر على أرض فلسطين وحاول الاحتلال طمسه".