فلسطين أون لاين

تقرير "إبرة وخيط"... مبادرة من قلب النُّزوح تمنح النِّساء نافذة أمل

...
أعادت الشابة نداء عيطة تعريف التمكين الاقتصادي في غزة بخيطٍ وإبرةٍ وإرادة لا تنكسر
غزة/ فاطمة العويني:

من بين خيام النزوح وتحت وطأة الحرب، وُلدت مبادرة صغيرة بإمكانات متواضعة، لكنها حملت رسالة كبيرة: أن العمل كرامة، وأن النساء قادرات على تحويل أبسط الموارد إلى مشروع حياة. هكذا أعادت الشابة نداء عيطة تعريف التمكين الاقتصادي في غزة، بخيطٍ وإبرةٍ وإرادة لا تنكسر.

وبالرغممن  قسوة الظروف التي عاشتها خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، كان العجز عن العمل والإنتاج هو التحدي الأصعب بالنسبة للشابة نداء عيطة. غير أن بصيص أمل لاح لها مجددًا، فبادرت إلى إطلاق مشروع مكّن عددًا من النساء اللواتي فقدن مشاريعهن الصغيرة – كما فقدت مشروعها – من العودة إلى العمل والإنتاج.

قبيل الحرب، ورغم حصولها على درجة الدكتوراه، لم تجد عيطة فرصة عمل، ما دفعها إلى التفكير بإطلاق مشروع خاص. تقول: "تخرجت بتقدير امتياز، وأحمل أحلامًا كبيرة، لكنني اصطدمت بواقع قاسٍ اسمه البطالة. شعرت حينها أن سنوات الدراسة قد تتحول إلى شهادة معلّقة على الحائط. لم يكن أمامي إلا خياران: انتظار فرصة قد لا تأتي، أو صناعة فرصة بيدي".

وتضيف لصحيفة "فلسطين": "اخترت الطريق الأصعب، بدأت من مطبخي المنزلي، بإمكانات بسيطة جدًا، بإنتاج مأكولات بيتية وبيعها، لكن بإيمان كبير بأن الاستقلال الاقتصادي هو أول خطوة نحو الكرامة".

من مطبخ منزلي إلى وحدة إنتاجية

مع مرور الوقت، نما مشروع عيطة ليحمل اسم "ماجدات بلادي الإنتاجية"، ويتحوّل إلى وحدة إنتاجية مرخّصة، ويوفّر مصدر دخل لها ولاثنتين وعشرين سيدة مُعيلة لأسرهن. وتقول: "لم يكن مجرد مشروع تصنيع غذائي، بل مساحة أمان لنساء يحملن همّ إعالة عائلاتهن".

لاحقًا، توسعت عيطة في مجال التشغيل والتدريب، مضيفة: "كنت أعمل على تمكين مجموعة واسعة من السيدات عبر التشغيل والتدريب. كنت أؤمن أن المرأة حين تمتلك مهارة ودخلًا، تمتلك قرارها".

وأصبحت مدرّبة معتمدة من نقابة المدربين الفلسطينية، وعضوًا في اتحاد الصناعات الغذائية والزراعية، وملتقى سيدات الأعمال، والغرفة التجارية. لكن الحرب قلبت حياتها رأسًا على عقب.

الحرب... وانهيار كل شيء

تقول عيطة: "توقف مشروعي بسبب النزوح والخوف، وانقطاع الكهرباء، ونقص المواد الخام، وانهيار القدرة الشرائية، واستشهاد معظم أعضاء الفريق. كان كل شيء يمنع الاستمرار".

ورغم هذا الواقع القاسي، لم تتوقف عن التفكير بمشروع جديد، خاصة في ظل افتقار غزة لأبسط مقومات الحياة من مأكل وملبس ومشرب.

بطانية تتحول إلى معطف

تروي عيطة: "جمعت مجموعة من السيدات اللواتي يجِدن الخياطة، وكان مصدر رزقهن قبل الحرب هو التفصيل، وطرحت عليهن فكرة تحويل البطانيات التي نستلمها ضمن الكوبونات إلى ملابس شتوية كنا نفتقر إليها بشدة في مخيمات النزوح".

وتتابع: "في البداية لم تكن الفكرة مقنعة لمن حولنا؛ كيف يمكن أن تتحول بطانية إلى ملابس؟ لكن بعد إنتاج أول نموذج، أصبح هناك إقبال كبير، ما أعطانا الحافز للاستمرار. ومن المعيقات التي واجهتنا عدم توفر الأزرار، فاستخدمنا نوى البلح وصدف البحر بديلًا عنها".

وتضيف: "كنا نمارس الخياطة يدويًا، لكن مع ازدياد الطلب احتجنا إلى شراء ماكينة. ثم اصطدمنا بعقبة عدم توفر الكهرباء لتشغيلها، فقمنا بتشغيلها بواسطة دراجة هوائية. وبعدها فتحنا المجال للناس: البطانية عليكم، والتصميم علينا، مقابل مبلغ رمزي بسيط يعود للسيدات العاملات".

كسر ثقافة الاتكالية

توضح عيطة أن الهدف من المشروع لم يكن ماديًا فحسب، بل معنويًا أيضًا، قائلة: "أردنا كسر مفهوم الطرد والكوبونة، وأن نُثبت أننا شعب منتج يستحق الحياة، ولدينا كرامة. رغم الصعوبات، نفتخر بالنماذج النسوية في مخيمات النزوح، وبالكفاءة العالية التي قدّمنها".

وتشير إلى أن مبادرة "إبرة وخيط" خرجت من رحم المعاناة لخدمة النازحين، وبدعم تطوعي من إدارة "مخيمات الجود" لمساندة الأسر المتضررة. وتقول: "لم تكن مجرد نشاط، بل رسالة مفادها: نحن قادرون على مساعدة بعضنا، حتى في أقسى الظروف".

العمل تحت النار

وتصف يوم العمل في ظل الحرب بأنه لا يشبه أي يوم آخر: "كنا نبدأ بمتابعة الأخبار قبل متابعة الطلبات. نسأل: هل نستطيع العمل اليوم؟ هل ستكفي الكهرباء؟ هل المواد متوفرة؟ كنا نستثمر كل دقيقة هدوء، وننتج بما هو متاح، ونعدّل خططنا حسب الظروف. أحيانًا نعمل على ضوء بديل، وأحيانًا نتوقف فجأة بسبب المستجدات".

التمكين ضرورة لا رفاهية

وترى عيطة أن التمكين الاقتصادي للمرأة في غزة لم يعد رفاهية، بل ضرورة للبقاء: "المشاريع الصغيرة ليست فقط مصدر دخل، بل طوق نجاة. لسنا مجرد ضحايا حرب، نحن صانعات حياة. قد تُهدم البيوت، وقد تتعطل المشاريع، لكن إرادة النساء لا تُقصف".

وتختم بقولها: "حين تحصل سيدة مُعيلة على فرصة عمل، فهي لا تكسب دخلًا فحسب، بل تستعيد ثقتها بنفسها وصوتها ومكانتها. كل مشروع صغير هو رسالة صمود، وإيمان بأن الاقتصاد الصغير الذي تصنعه النساء في بيوتهن قد يكون أحد أعمدة التعافي لمجتمع كامل".

المصدر / فلسطين أون لاين