فلسطين أون لاين

القلق يسبق الرفوف… سباق الغزيين لتأمين الأساسيات مع تصاعد المخاوف

...
صورة أرشيفية من داخل أحد الأسواق في غزة
غزة/ مريم الشوبكي

مع ساعات الفجر الأولى، أمس، بدأ طابور طويل يتشكّل أمام أحد المراكز التجارية غرب مدينة غزة، حيث اصطف عشرات الرجال والنساء حاملين أكياسًا فارغة وقلوبًا مثقلة بالترقب، في مشهد يعكس مخاوف متزايدة من شحّ السلع وارتفاع الأسعار.

الطابور الممتد بمحاذاة الرصيف لم يكن اعتياديًا؛ أحاديث خافتة تدور حول احتمال إغلاق المعابر، وتداعيات تصاعد التوتر بين الاحتلال الإسرائيلي وإيران، وما قد يرافق ذلك من أزمة تموينية جديدة. في الوجوه قلق واضح، وفي الخطوات استعجال مشوب بالحذر، خشية أن تتحول الرفوف الممتلئة إلى فراغ مفاجئ.

سباق لتأمين المونة

عبد الله البيطار (43 عامًا) كان من أوائل الواصلين. عند السادسة صباحًا حجز مكانه في الطابور، ساعيًا لشراء ما تيسر من زيت القلي والسكر والأرز والملح والمعكرونة والفول المعلّب. يقول لـ "فلسطين أون لاين" إن أنباء إغلاق المعابر واحتمال إطالة أمد الأزمة دفعته للتحرك سريعًا.

ويوضح أن بعض التجار رفعوا الأسعار منذ الأمس بشكل لافت، ما دفعه للبحث عن مركز ما يزال يبيع وفق التسعيرة السابقة. ويضيف: "أريد أن أؤمّن بعض المونة… من جرّب المجاعة يخشى أن تتكرر. أصعب ما في الأمر أن يبكي أطفالك جوعًا وأنت عاجز عن توفير الطعام".

ولا يقتصر القلق على السلع الأساسية؛ فقد تضاعفت أسعار بعض أصناف الخضار خلال أيام قليلة، ونفد بعضها من الأسواق، فيما عاد سعر البيض للارتفاع بعد انخفاض سابق، ما يعمّق المخاوف من موجة غلاء جديدة.

هاجس رمضان

في حي الشيخ رضوان، خرجت رهيفة حسونة (43 عامًا) باكرًا لتأمين احتياجات أسرتها لأسبوعين، تحسبًا لاستمرار إغلاق المعابر. تقول إنها لم تلتفت بدايةً لحالة الهلع، لكن تسارع ارتفاع الأسعار دفعها للتحرك.

وتوضح أنها تسعى لتوفير الأرز والدقيق والسكر والحلاوة الطحينية والمربى والدبس، "أشياء تعيننا على الصيام وتمنح الأطفال طاقة خلال النهار إذا شحّت السلع أو ارتفعت أسعارها". وتؤكد أن ما تقوم به ليس تخزينًا مفرطًا، بل محاولة لتأمين الحد الأدنى. "من ذاق الجوع لا يتمنى أن يعيشه مجددًا"، تضيف.

أزمات متداخلة

المخاوف لا تتوقف عند الغذاء. فمع أنباء عن توقف إمدادات الغاز منذ ثلاثة أيام، لجأت بعض العائلات إلى شراء الحطب استعدادًا للعودة إلى الطهي على النار المكشوفة. وتشير رهيفة إلى أن موعد تسلّم أسطوانة الغاز كان الخميس، "لكن حتى الآن لم يدخل الغاز".

اقرأ أيضًا: هل يعود "شبح المجاعة" إلى قطاع غزة بعد إغلاق المعابر؟

وتلفت إلى أن العودة للطهي بالحطب تعني أزمة صحية إضافية لها، إذ تعاني من مشكلات في الجيوب الأنفية والصداع النصفي، ويزيد الدخان من معاناتها. "هذا أكثر ما يقلقني"، تقول.

خوف الأمهات

في حي الدرج شرقي المدينة، تقف أفنان صبيح (34 عامًا)، أم لخمسة أطفال وزوجة شهيد، في الطابور ذاته. تحاول تخزين قدر يسير من المواد الأساسية حتى لا يشعر أطفالها بالحرمان بعد فقدان والدهم.

وتقول: "أبذل ما أستطيع حتى لا يناموا جوعى إذا طالت أزمة إغلاق المعابر أو توسعت الحرب. أغلبهم يصومون، وأخشى أن يصابوا بمشكلات صحية إن لم أوفّر لهم الطعام، خاصة في ظل نقص الدواء". وتختتم بدعاء ألا تطول الأزمة، وأن "يتقي التجار الله في الناس".

بين الغلاء والرقابة

ويرى مواطنون أن موجة التهافت على الشراء ارتبطت بالارتفاع المفاجئ في الأسعار، معتبرين أن بعض التجار استغلوا المخاوف لتحقيق أرباح سريعة. ويشيرون إلى أن المعابر كانت مفتوحة والبضائع متوفرة بأسعار مقبولة نسبيًا، قبل تصاعد التوترات الأخيرة.

في المقابل، أعلنت دائرة مباحث التموين في وزارة الداخلية بقطاع غزة، أول من أمس، توقيف 29 تاجرًا وإغلاق 11 محلًا ومنشأة تجارية، لمخالفتهم قرارات منع الاحتكار ورفع الأسعار.

اقرأ أيضًا: الاقتصاد: توقيف تجار واتخاذ إجراءات مشددة بحق مخالفي قرارات منع الاحتكار

وأوضحت أن الإجراءات جاءت ضمن حملة مشتركة مع وزارة الاقتصاد لمتابعة الأسواق وضبط الأسعار، في ظل شكاوى من ارتفاع أثمان سلع أساسية، مؤكدة اتخاذ إجراءات قانونية مشددة بحق المخالفين، شملت الإغلاق المؤقت وتحويل عدد منهم للتحقيق.

في الطابور الطويل غرب غزة، لا أحد يبحث عن الكماليات. الجميع يفتش عن الأساسيات فقط، وعن قدر من الطمأنينة في مدينة تعلمت أن تخشى الجوع بقدر ما تخشى القصف.

المصدر / فلسطين أون لاين