حرب الفرقان والتدريب في ميدان المعركة

كثيرة هي الدروس المستفادة من معركة الفرقان والتي أطلق عليها الاحتلال الصهيوني (عملية الرصاص المصبوب).. انطلقت أوائل نيران العدوان عبر سرب من الطائرات الحربية من نوع إف 16 يوم السبت 27 كانون الأول (ديسمبر) عام 2008م، استهدفت تجمعات للشرطة المدنية الفلسطينية في مواقع مختلفة من قطاع غزة بدأت جميع تلك الطائرات بضربة مفاجئة دون سابق إنذار فارتقى عدد كبير من الشهداء واستمر العدوان طيلة 21 يومًا كانت غزة تتعرض لقصف مجنون دقيقة بدقيقة وساعة بساعة. تمكنت المقاومة من إفشال أهداف العدو التي تمثلت في: إسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة إسماعيل هنية، واستعادة الجندي الأسير لدى القسام جلعاد شاليط، إضافة إلى اجتثاث المقاومة من غزة، غير أن لا شيء من ذلك تحقق، ورسائل أخرى تشير لصمود شعبي ومقاوم أسطوري، وكان للحكومة الفلسطينية في غزة جهد كبير في تثبيت المجتمع من خلال دفع رواتب الموظفين وإيصالها لمنازلهم، في إشارة تحدٍّ للاحتلال، وبين هذه وتلك كانت هناك زاوية مهمة النظر تتعلق بقدرات المقاومة وتطوير أداء المقاتلين وخصوصًا مقاتل الحرب، إذ لا بد أن يتمتع الجندي في ميدان الحرب بقدرات مهاراتية عالية وتدريب خاص يوائم ميادين القتال، وهنا يمكن أن نطرح سؤالًا نبحث في إجابات عنه:

ماذا أضافت معركة الفرقان للمقاوم الفلسطيني في ميدان المعركة على صعيد قدراته، وتطوير أدائه المهاري؟

بالعودة إلى الوراء تاريخيًّا.. فإن مشاركة فرق عسكرية صهيونية إلى جانب القوات البريطانية في الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) كانت لها أهداف عدة من بينها تدريب العناصر المشاركة على مختلف الأسلحة المستخدمة في الحرب، وتنوعت الفرق الصهيونية المشارِكة بدءًا بسلاح المدرعات والمدفعية وآخرين في سلاح الجو (الطيران) وغيرهم في القنص والمشاة، وكان يشرف على هذه التشكيلات مؤسس الصهيونية التصحيحية فلاديمير جابوتنسكي، وبعد انتهاء المعركة تم توزيع العناصر التي اكتسبت مهارة القتال في الحرب إلى منظمات عسكرية صهيونية.

وبالحديث عن معركة الفرقان وبينما كان الاحتلال ومن ساعده يريدون حربًا استئصالية سياسيًّا في غزة عنوانها حركة حماس وحكومة الوحدة وعسكريًّا عبر إنهاء أي مظاهر قوة للمقاومة وفي مقدمتها كتائب القسام، كان المقاتلون ودون تحضير مسبق على موعد مع مناورة بالذخيرة الحية للتدريب في ميدان القتال، إذ تلقى كل مقاتل من المقاومة كمًّا كبيرًا من الحمم البركانية النارية من الطائرات الحربية مختلفة الأنواع ومتعددة المهام، إضافة إلى قذائف المدفعية التي لم تكن تتوقف ليلا أو نهارا في قصف كل موقع أو مكان يشتبه فيه وجود أفراد من المقاومة، ثم الاجتياح البري الجزئي واستهداف مناطق حدودية من القطاع ووسط غزة، في حين لم تتوقف الطائرات عن القصف بأطنان المتفجرات، وأمام ذلك لم يخنع مقاتل واحد أو يتراجع في الدفاع عن المنطقة التي توغلت فيها قوات الاحتلال، كان العدو يراقب الميدان ويزعم النصر لنفسه، في حين كان إعداد غير متوقع وتدريب لم يكن في الحسبان يعد مقاتل المقاومة فتكسبه مهارة القتال وسط ضجيج الطائرات وأزيز الرصاص وصوت المدافع وتعده لمعركة أكثر ضراوة وأحمى وطيسًا.

ولم تمضِ سنوات حتى جاء عام 2014 ليظهر المقاوم في معركة العصف المأكول نتائج تدريبه في معركة الفرقان، وكان القتال من نقطة صفر والمعركة وجهًا لوجه، فأبدع المقاتل في تصديه للعدوان الصهيوني، إذ جعل الأرض جهنمَ شرق الشجاعية والتفاح وقاتل في الطرقات والبيوت في بيت حانون، ومشى فوق السياج وتوغل إلى داخل الغلاف وقتل وغنم في الوسطى، وركب فوق الدبابة وفجرها في القرارة والزنة وأسر في رفح والتفاح وأحكم كمينه في خزاعة شرق خان يونس.

أهم استنتاج من معركة الفرقان أنها كانت ميدان إعداد وتدريب للمقاومة وكانت معركة العصف المأكول أولى نتائج العملية لتلك التدريبات الحية.

ويمكن التنبيه لجملة من الإشارات نعتقد أنها كانت مساعدة لنجاح أول تدريب عسكري حي للمقاومة في غزة وأسس لما بعده.

-     للمقاومة تجارب قتال في الميدان ضد الاحتلال خلال التصدي للاجتياحات التي شهدتها غزة في فترات مختلفة، وهذا عزز صمود ميدان للمقاومة.

-     كان للعامل الديني والتربوي والعقائدي الإسلامي أثر واضح في استعداد المقاتل التضحية بالنفس والولد والأهل والمال من أجل حماية الأرض والعرض وإفشال مخططات الاحتلال من تحقيق أهدافه.

-     مما يحسب نتيجة للمعركة أنها أعطت المقاتل المقاوم الفلسطيني مشروعية أكثر ودافعية أكبر في تطوير قدراته المهاراتية في القتال وزيادة اهتمامه بتعظيم بناء مقدراته العسكرية لمعركة أكثر شراسة وأطول نفس.

-     أسهمت معركة الفرقان في تحويل المحنة لمنحة ففتحت الآفاق للمقاومة ونسجت لها علاقات أكثر قوة في اتجاهات مختلفة ساعدتها في معارك بعدها مثل حجارة السجيل والعصف المأكول ومعركة سيف القدس.

- إن نتائج مهارة المقاوم الفلسطيني في غزة ومقدرات المقاومة التي شاهدها العالم في معركة سيف القدس أيار (مايو) عام 2021م، من قصف لمركز الكيان الصهيوني (تل أبيب) هي ثمرة دماء شهداء معركة الفرقان، التي تحولت لوقود المقاومة وسارعت حينها في تطوير نفسها حتى فاجأت العالم بنتائج مرضية.

خلاصة: ستبقى معركة الفرقان عام 2008/2009 أكبر درس استفادت منه المقاومة في إعداد نفسها وتعظيم مقدراته، كما تؤكد أنها كانت إشارة البدء بانطلاق مشروع التحرير المؤسسي الذي أعطى الأجيال الفلسطينية أملًا في تحقيق العودة.