تأخير صرف مخصصاتهم يلقي بظلال كارثية على أوضاعهم المعيشية

خاص منتفعو الشؤون الاجتماعية يصرخون في وجه السلطة: "بكفي تعبنا"

...
جانب من وقفة منتفعي الشؤون الاجتماعية أمس بغزة (تصوير: ياسر فتحي)
غزة/ يحيى اليعقوبي:

على أحر من الجمر كانت المواطنة لينا البنا تنتظر تسلُّم "شيك الشؤون" لتسديد أجرة البيت المتراكمة منذ خمسة أشهر، وإيقاف قرع باب شقتها من صاحب البيت المطالب بتسديد الإيجار أو مواجهة الطرد.

تقف البنا بين العشرات من مستفيدي الشؤون أمام مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو" بمدينة غزة، احتجاجا على عدم صرف مخصصاتهم المالية منذ مطلع العام الجاري، تحمل على كاهلها التزامات أطفالها الثلاثة ومسؤوليات المنزل بعدما آلت الأمور إلى سجن زوجها على ذمة مالية.

وطالب عشرات المستفيدين من مخصصات الشؤون الاجتماعية السلطة ووزارة الشؤون والتنمية الاجتماعية برام الله إلى صرف مخصصاتهم المالية، مؤكدين أن تأخير صرف مخصصاتهم ألقى بظلال كارثية على أوضاعهم المعيشية.

"نعيش بالإيجار، ولا يوجد أحد يدعمنا ويسدد عنا الديون، حتى أن أطفالي يرون الأشياء ولا أستطيع جلب أقلها لهم، نعيش حياة تبكّي الحجر، ويتراكم علينا الإيجار".. قالت البنا ذلك وهي تصطف بين المحتشدات في الوقفة الاحتجاجية.

من بين اللافتات التي رفعت في الوقفة "بكفي تعبنا"، "انظروا إلينا بعين الرحمة"، "من حقنا أن نعيش بكرامة وعزة"، "أعيدوا لنا مخصصاتنا"، "أين دور القيادة الفلسطينية من قطع رواتب الغلابا؟".

"أعيش مع سبعة أفراد في غرفة واحدة، وبلا دخل، لا نجد من يسأل عن أحوالنا كيف نعيش وكيف نأكل ونشرب حتى باتت الحياة مريرة؟ وعلى الرغم من صبرنا على عدم صرف المخصصات يأتي وزير الشؤون الاجتماعية أحمد مجدلاني ليصفنا بالمتسولين".. كلمات قهر خرجت من حنجرة المواطن مهدي تاري حينما كان يحمل طفلته الصغيرة على كتفه.

جاء تاري ليعلي صوته مع الأصوات المحتشدة، يتشاركون في الهم ذاته ويتجرعون مرارة العيش بلا دخل طوال عام كامل، وقد تركوا فريسة للفقر والجوع.

حقوق وليست منّة

موسى نصار، مسن بملامح باهتة ووجع ينطلق من صوته معددًا على أصابع يده حجم المأساة التي ألمت بهم بلهجة عامية "الدكان بطلت تعطينا، وين ما تروح الدنيا مسكرة بوجهك"ـ فاردًا ذراعيه في الهواء يشكو همه إلى السماء "النا الله وبس.. حسبنا الله ونعم الوكيل".

لا يعطي نصار السلطة مبررًا لاستمرار عدم صرف المخصصات الاجتماعية، معتبرًا إياها "حقوقا جاءت باسم الشعب الفلسطيني وليست منة من رئيس السلطة وغيره من قياداتها".

يقول: "نحصل على الشؤون لأننا أكثر فئات المجتمع فقرًا، فقطع المخصصات لعام كامل جعلنا في واقع لا يمكن وصفه أو التعبير عنه".

أمام بوابة "يونسكو" تحمل الخمسينية أم العبد السحار لافتة تتساءل فيها: "أين دور القيادة الفلسطينية من قطع مخصصات الغلابا!؟" وفي جعبتها كلام كثير عن واقعها المرير، مردفة: "حياتنا كلها متعلقة بشيك الشؤون، تراكمت علينا الالتزامات للبقالة والصيدليات، فأين نذهب؟".

وتتكون عائلة السحار من 12 فردًا "أصبحت حياتهم تحت الصفر" حسب تعبيرها، إذ لا تستطيع شراء الاحتياجات الأساسية للمنزل.

وقال المتحدث باسم الهيئة الإدارية للدفاع عن حقوق منتفعي الشؤون الاجتماعية صبحي المغربي: إن السلطة افتتحت مقرا لسفارتها في تونس بتكلفة تقدر بملايين الدولارات، وصرفت رواتب الموظفين، في المقابل تحرم عشرات آلاف العائلات الفقيرة من مخصصاتها وحقوقها.

وعد المغربي في كلمة خلال الوقفة أن السلطة تستخدم الفقر والجوع ورقةَ ضغط سياسي ضد خصومها، وفي المقابل "تلتهم الأخضر واليابس من أموال المانحين"، وتستمر بفرض العقوبات والحصار على غزة، حيث يقتل رئيس السلطة محمود عباس أبناء شعبه فقرا وجوعا، في حين يتمتع أبناء وقيادات السلطة برواتب ونثريات عالية.

وأشار إلى سرقة ونهب 7 مخصصات للفقراء خلال السنوات الأربع الماضية، إضافة إلى 4 مخصصات لم تصرفها السلطة العام الجاري، مطالبا بصرف مخصصات الشؤون بانتظام، وإعادة الأموال التي لم تصرف لأصحابها.

وبحسب المغربي فإن المعاناة بدأت منذ عام 2017 حينما صرفت وزارة الشؤون الاجتماعية برام الله 3 دفعات وامتنعت عن صرف الدفعة الرابعة، وفي أعوام 2018، 2019، 2020 صرفت دفعتين في كل عام، أي أن هناك 7 دفعات "اقتصت وسلبت ونهبت من مستفيدي الشؤون".

وكان من المقرر صرف الدفعة المالية الأولى لعام 2021 نهاية مارس/ آذار الماضي لـ116 ألف أسرة على أن يتم صرف الدفعة الثانية مطلع يونيو/ حزيران الماضي، لكن الوزارة لم تصرفهما تحت مسوغات كثيرة منها "عدم توافر الأموال".